وَسمٌ مُستَحق

العهد البائد” .. وسمٌ جاء كردة فعل مفهومة ومعتبرة لمن وصف جزء من الشعب لا تتوافق رؤاهم مع رؤيته بـالحفنة، وهو اختيار غير حصيف لوصف من شاء الله أن يجعله في مقام حاكم للجميع.

الكلمة بحد ذاتها لغوياً لا تُسيء فمعناها بالمعجم :

ملء الكف أو الكفين من أي شيء” .. لكنها في هذا المقام تحمل تحقيراً بدلالتها حيث استخدم المقبور صدام حسين تلك المفردة في خطاباته.

وعليه تم توظيف وصف مقابل من الأوصاف التي استخدمها حزب البعث في إعلامه الصفيق وهوالعهد البائد، باستدلال لا يخلو من فطنة وطرافة لطالما انفرد بها الكويتيون.

ولعل المفارقة أن الحاكم يصف مجموعة من شعبه بـالحفنةفي موقف سياسي ثم يصف غيرهم بـعياليفي موقع مأساوي هو هجوم مُجرم غادر.

أوصاف غير دقيقة في الحالتين ، فالشعب ليسوا أبناء الحاكم ولسنا في زمن المجتمعات البطركية السالفة ، بل في دولة يحكمها دستور يحدد العلاقة بين الحاكم والمحكوم في أطر منظمة بعيداً عن الأوصاف العاطفية، كما أن أي عمل إرهابي وإن استهدف فئة فهو إنما يضرب أمن البلد بكل فئاته.

ترتب على الوصفين أعلاه انقسام الشعب في تقييمه لحقبة ذلك الحاكم بعد موته ، فقد شعر بعضعيالهباليُتم .. وعيالهلا تنطبق على من قصدهم إبّان الاعتداء الإرهابي الغادر ، بل تتعداهم لمن احتضنهم وأغدق عليهم بالعطايا والمزايا.

شعور اليتم عند البعض منهم بعده مريب ، ونلاحظ ذلك بالتباكي وادعاء الضياع برحيله ، بل ذهب قِسم منهم بالمبالغات إلى حد وصفكسر الظهر، وهو ما قد يترتب عليه إعاقة جسيمة وكأن الدولة انتهت برحيله ولن تقوم لها قائمة لأن الظهر قد انكسر.

هذا واستبشر البعض ممن وصفو بالـحفنةبنهاية التحقير والأذى متجاهلين أن آثار تلك الحقبة مدمرة وتجاوزها بحاجة لصلابة وأسلوب إدارة مغاير .

وإن كنت سألخص أبرز السمات التي لوّنت ذلك العهد فأولها .. الطمع.

لقد شرعن ذلك العهد الطمع حين ابتدأ بنفسه فرفع مخصصاته من ثمانية ملايين دينار كويتي سنوياً إلى خمسين مليون دينار سنوياً بزيادة قدرها ٦٢٥٪؜ دون بذل أي مجهود في تبريرها.

قوبلت الزيادة برضوخ غير مسبوق من كافة الأطراف، وتواطيء من أخرى بدءاً من الوزير المعني بخزينة الدولة آنذاك .. وزير المالية “بدر الحميضيومُهندسها آنذاك .. رئيس الوزراءناصر المحمدوانتهاءاً بأعضاء مجلس الأمة الذين لم يعترض منهم أحد.

هذا وتوالى الطمع بهيمنته على مشاريع الدولة التي تم سحبها من الجهات المناط  بها الإنجاز ليتم تنفيذها من قبل الديوان الأميري،  وهو تصرف خاطيء بالمقاييس الإدارية والسياسية والقيمية على حدٍ سواء.

وانعكس ذلك على المناقصات الكبرى فانفتحت شهية المتنفذين لمضاعفة هوامش أرباحهم بطرق غير مسبوقة.

ولتخفيف الضغط تم اقرار زيادات غير مدروسة وغير عادلة أخلّت بسلم الرواتب في الدولة بشكل عام .

ناهيك عن الرواتب الاستثنائية التي كوفيء بها الـ “Entourage” وهي الكلمة الإنجليزية المرادفة لكلمةحاشية، والحاشية لا تقتصر على صغار الموظفين فقط بل كل من يدور في فلك الرجل الأهم.

وتم توزيع أراض ٍ سكنية ومزارع وغيرها للمقربين كمكافآت من المال العام.

أما السِمة الثانية لذلك العهد فهي .. “الانتقاموقد أُشبِعت هذه السمة بالنقاش والتحليل في جزئية التنكيل بالمعارضين السياسيين من نواب وناشطين ومغردين ، إلا أن ما لم يأخذ حيزاً من النقاش هو تفشي عدوى الانتقام بين الناس ، وأصبحنا نرى تحريضاً مخيفاً من العموم فيكل الاتجاهات.

هذا وأميل إلى أن تلك الروح الانتقامية قد ألقت بظلالها على مستوى العنف في البلاد، إلا أن ذلك بحاجة لبحث المتخصصين في علم الاجتماع وعلم النفس.

ولا يفوتني هنا الإشارة إلى الإصابة بعدوى الانتقام بشكل غير مسبوق داخل صفوف أسرة الصباح ، فالابن يتم عزله بمجرد أن وطأت قدمه لُغم الفاسدين من أبناء عمومته،  ويُسمح لأبواق مقربة بالنيل منه إعلامياً ، وابن الأخ تتم إهانته ، ثم نرى بأعيننا علناً شهادة تبرئة ومدح لرئيس وزراء تم اتهامه وسجنه عدة أشهر ومن ثم تبرئته في محكمة التمييز قبل عدة أيام .

معيار التقريب والعزل غير واضحين للجماهير ، ولا يمكن مَنطقته أو فهمه، مما أوقد نيران المرارة والانتقام وراكم الانشقاق سواء بين أفراد أسرة الصباح أو بين مؤيدي كل طرف منهم.

كيف نغسل آثار الطمع وحس الانتقام الذين لطخا النفوس؟

قد يكون الطمع أسهل من الانتقام في التعاطي معه،  فإن كان بدأ من قمة الهرم في ذلك العهد فلابد أن يبدأ من قمة الهرم برغبة من الحاكم بتقليص تلك الزيادة العظيمة ، وقد سبقه إلى ذلك القرار النبيل الحاكم الراحل جابر الأحمد رحمه الله حين قلص مخصصاته بنسبة ٢٠ ٪؜ من عشرة ملايين دينار كويتي إلى ثمانية ملايين دينار .

هذا ومن اليسير الشرح للجماهير أننا نغرف من مقدّرات محدودة ناضبة لا نهراً جارياً ، وأن الأموال المكتسبة وقتياً ستتبدد إذا ما تداعت موازنة الدولة ، كما أنها لا تفيد فعلياً إذا ما احتجت لخدمات صحية عاجلة لا تنفع معها طائرات الإخلاء الطبية ، ولا تنقذ المواطن إذا ماتداعى كيان الدولة ، قد توفر لك فرصة الاستيطان في بلد آخر لكنها مجرد فرصة قد لا تتأقلم معها إن طالت، فالاستيطان لا يشبه إجازات الاستجمام.

أما حس الانتقام فغسله عويص بشهادة الشاعر زفر بن الحارث :

وقد يَنْبتُ المَرْعى

على دِمَنِ الثرى

وتَبقى حزازاتُ النفوسِ

كما هِيا

إنّ حس الانتقام أو الثأر متغلغل في النفس البشرية منذ الأزل ، ويزخر الأدب بتجسيد تلك الحالات ، بل ويحتفي بها  لأنها وسيلة بقاء بشرية في سالف الأزمان ، بدءاً من ملحمةالإلياذةالإغريقية الشعرية لهوميروس ومروراً بمسرحيةهاملتلشكسبير .. ومئات الأفلام السينمائية التي تتمحور حول فكرة الثأر.

هذا وفي مخزوننا التراثي الشيء الكثير، أذكر منها بيت الشاعر :

نصبر على جفواه ..

غلٍّ يغلّه

ومن لا تقاضي حيّ ..

يقمح إليّا مات

حتى ذهب الشطر الأخير مثلاً شائعاً.

الإشكالية .. حين تبالغ الدولة بالانتقام من رعاياها ، وتتولى أجهزتها ترجمة رغبة الحاكم بالثأر لتحيد عن دورها الفعلي في حفظ الحقوق وترسيخ الاستقرار .

قد يظن البعض أنالعفوكان تراجعاً عن ذلك الانتقام ، إلا أنني .. لا أجده كذلك .. مع غيابالاعتذارعن تلك الخطيئة وغياب التعهدات بعدم تكرارها ، وعدم تعويض المتضررين ورد اعتبارهم السياسي والمعنوي .

كي ندخل في حالةصفح جماعيعن الماضي السياسي يجب الإقرار بما به من خطايا ، ووضع ضوابط تمنع تكرارها ، وتعزيز الثقة في الجهاز القضائي مع التأكيد أن تلك الثقةهبةلا يمكن فرضها بل يتم منحها بناءًا على تجارب عادلة.

الطريق نحو نزع فتيل حس الانتقام المتفشي وعر ، والصفح لا يعني النسيان ، لكنه فعل اختيار للمستقبل الذي ينتظر أبناءنا، والبداية تكون  بكسر سلسلة الانتقام، والركون لقضاء نثق به ولا يفرض علينا بالترهيب والوعيد.

ختامها شعر:

عليك بالعدلِ

إن وُلِّيت مملكةً ..

واحذرْ مِن الجوْرِ فيها ..

غايةَ الحذرِ

أبو الفتح البستي

مقالات أخرى