الشُكر المستحق
حين أُعلن بالقناة التلفزيونية الرسمية للدولة عن صدور مرسوم بالعفو عن مجموعة من المواطنين المدانين في قضايا رأي يوم الثلاثاء الموافق ١٧ يناير ٢٠٢٣، توالت الرسائل النصية على هاتفي النقال .. وكانت في البداية صور متنوعة من شاشة تلفاز تحمل الخبر ، تبعتها قوائم بتشكيلة أسماء مختلفة حيث ينقص اسم هنا ويضاف اسم هناك.
كان الوقت مساءً ، ولعل الظُلمة انعكست على وجداني ، فألفيتُ نفسي بحالة ارتباك ، تتنازعني مشاعر متضادة .. أثقلها الشك وعدم الثقة لحين الإعلان الرسمي عن الأسماء بعيداً عن التكهنات.
هذا .. ثم انهمر وابل ذكريات أحداث السنوات الطوال .. مطراً أسوداً كاد يُغرقني .. لولا تلك اليد التي تمتد إليّ لتنقذني على الدوام بفضل من الله.
إنها اليد التي تستحقّ الشُكر .. بعد الحمد والثناء لله عز وجل .. حمداً كثيراً يليق بعزته وجلال سلطانه ، يد شريك حياتي فوزي القصار .
نبّهني قائلاً : أن العفو ـ إن شملكِ ـ هو تراجعٌ عن خطأ ورفعٌ للظلم دون أن يُطلب من جانبكِ ، وليس مطلوباً منكِ أن تحددي الآن ماهية الخطوة القادمة ، فلديكِ كل الوقت لتمحيصها ، كما أنه لا يعني اضطّراركِ للعودة نهائياً فالأمر محسوم في هذا الشأن ، فقد خرجتِ من البلاد بلا أحكام ، وكل ما حوكمتِ عليه كان تغريدات كتبتِها في بريطانيا ، وعليه فلم تخرجي بسبب أحكام كي يكون رفعها مسوغاً للعودة، أما عن الزيارة فهي مجرد خيار غير ملزم.
بعد حديثه وضعتُ رأسي على وسادتي متضرعة إلى الله أن يُسكن جموح عواطفي ويُنير بصيرتي ويَقسِم لي ما هو خير .
ببزوغ شمس النهار التالي ، تسلل الضياء لجوانحي مع استقبال اتصالات التهنئة التي غمرني بها المُحبّون من أهل وأصدقاء ومعارف وزملاء دراسة أو عمل ، ولأنّ الفرح مُعدٍ فقد انتقلت نبرات الابتهاج في أصواتهم وبين ثنايا كلماتهم إلى قلبي الكامد .
تجاوزتُ مؤقتاً إشكالية مفهوم العفو لفظياً وقيمياً ، واستسلمت لمباهجِ استشعار رفض الناس للتعسّف في قضايا الرأي الذي انعكس بشكل فرح عام عفوي صادق لصدوره.
لا يمكن إعادة عقارب الساعة السياسية .. سنوات حالكة .. استنزفتْ أعمار وجهود وتضحيات لا يُعوّضها رفع عقوبة السجن ولا ينفعها من جهة أخرى اجترار الآلام .
هل حققنا هدف تغييري حقيقي راسخ ؟ .. لا أظن .. فكل الذي تحقق كان أهدافاً مؤقتة تناولتها في مقال سابق بعنوان “السلطة المطلقة“.
هل استفاد النظام الحاكم من دروس الماضي؟ ..لا أظن .. فأسلوب الإدارة لم يتطور ولعل في الإعلان عن المرسوم دون أسماء والسماح بتداول قوائم .. ثم خروج القائمة الرسمية وقد استُبعد منها بعض الأسماء التي تم تدوالها هو بلا شك خطأ سياسي كبير.
وما يُحسب لهم هو أن البيان اتّسم برقة غير معهودة في انتقاء الكلمات، ولم يتم فيه تحديد شروط ولا مدة زمنية كما هو في العفو الذي سبقه ، ولم تشوبه “منّة” من سياسي ولا “قلم” من آخر يتفاخر به من ينسب الفضل إليه .. ولسان حال من يعيّرهم يردد مع ابن الرومي :
ولَشرُّ من جرَّبتَهُ
في حاجةٍ ..
من لا تزال به ..
مُعنَّىً مُتعبَا.
هل استفاد الشعب؟ .. ربما .. فهناك شريحة منهم لا زالت تشجع على الانتقائية ، وتؤجج التحريض ضد اسم أو أسماء عوضاً عن الدفع بإلغاء القوانين التي خدمت الملاحقات السياسية.
لم يتغير شيء سوى أن المشمولين بالعفو سيتمكنون ـ ان رغبوا ـ بالعودة للكويت ، وسيظل سيف القوانين التعسفية مسلط على رقابهم ورقاب أبنائهم من بعدهم .
مباركٌ لهم ولأحبتهم إتاحة خيار العودة .
والشكر والامتنان لكل من كلّف نفسه عناء التواصل معي أو مع زوجي للتعبير عن سعادته بالمرسوم .
والشكر الأكبر بعد شكرِ الله لزوجي الذي ـ سواء اتفق معي أو لم يتفق – دعمني وحماني وهيأ لي الظروف لعيش كريم في موطنٍ بديل مُختار، على كل الصعوبات التي اعترضت طريقنا ، ولم يدّخر جهداً ولا مالاً لبناء حياة جديدة لائقة بأسرتنا الصغيرة.
ختامها شعر :
إذا أناْ لمْ أشكركَ ..
جُهدي وطاقتي
ولم أُصْفِ من قلبي
لك الودّ أجمعا
فلا سَلِمتْ نفسي
من السوء ساعة
ولا نظرتْ عيني
إلى الشمس مطلَعا
أبو تمام