مِنْ عضّه الدّابْ لا يامِن الحبل”
تتبدل مواقف الإنسان مع الزمن كمحصلة لتراكم تجاربه وخبراته بكل ما فيها من ظفر أو إخفاق. حين قرأت في صباي بيت الشاعرة موضي الدهلاوية:
أمي تقول ..
إن التمنّي سماجة
وأقول أنا ..
بعض التمنّي به افراج.
كان موقفي العاطفي مع الشاعرة ، أما اليوم فأقدّر رأي والدتها بسماجة بعض التمنيات، انطلاقاً من الواقعية في إدراك أبعاد الوضع ، وتجنب الخلط بين ما يمكن تحقيقه وفق المعطيات ودروس الماضي، وما نتمنى تحقيقه وفق الأحلام غير المدروسة، لا سيما في التعاطي مع الشأن السياسي.
خطاب سمو ولي العهد كان مفاجأة سارة لجموع الناس في مجمله .. بينما شابه بعض المفارقات التي استوقفتني فيما يخص لوم السلطة التنفيذية التي تم إعادة تكليف رئيسها مراراً فلماذا التأخر في إزاحته؟
من جهة أخرى .. فقد تطرق الخطاب لممارسات نيابية سيئة غير مسبوقة دون تحديد ماهيتها أو مصدرها ، فلا نعلم من يرمي بانتقاده هل الرئيس أم النواب وأي فئة منهم. كما أن التعهد بالالتزام بالدستور ليس الأول الذي يتم التراجع عنه ، فهذا ما جرى في مؤتمر جدة.
تعهدت أسرة الحكم بالحفاظ على الدستور ، ثم أعادت المجلس الوطني لفترة ، وتلاها كل الانتهاكات التي عايشناها واصطلينا بنيرانها.
إن تجاربنا السالفة في عدم الالتزام بالتعهدات تحتم علينا فرض الضمانات.
سواء فيما يخص التعهد بالتمسك بالدستور أو عدم التدخل في الانتخابات، حيث لا يوجد نص يمنع مشاركة الحكومة في انتخابات الرئاسة، لذا علينا تأكيد إقرار مثل هذا الإجراء بتشريع ٍ ثابت.
أما الفقرة التي أشرعت نوافذ القلق لديّ فهي : ” لا تضيعوا فرصة تصحيح مسار المشاركة الوطنية حتى لا نعود إلى ما كنا عليه ..
العودة لن تكون في صالح الوطن والمواطنين وسيكون لنا في حالة عودتها إجراءات أخرى ثقيلة الوقع والحدث…!”
فماذا يقصد سمو ولي العهد بهذه الفقرة ؟
وهل نفهمها على أنها تهديد؟
وما هو نوع الإجراءات الثقيلة ؟
ولمن ستوجه تلك الإجراءات الغامضة؟
لقد وجه سموه الناس لحسن الاختيار ،إلا أنه أغفل سنوات طويلة تم فيها دفع الناس للتصويت بطريقة تضمن لهم من يجلب لهم المنافع بالمحسوبية.
سنوات من تكريس الفئوية وانعدام الوعاء الجامع للفئات أو ما يسمونه .. Melting Pot.
سنوات لا ينال فيها المواطن حقه في وظيفة أو ترقية أو علاج بالخارج إلا عن طريق نائب أو ولاء لشيخٍ نافذ.
سنوات وكرسي النيابة يعني الانتقال من طبقة لأخرى اقتصادياً.
سنوات ونقل القيد الانتخابي عملية مقبولة وشائعة رغم انها تشوّه النتائج.
سنوات والنظام الانتخابي بالصوت الواحد مفروض بالإكراه على كل ما يشوبه من عيوب.
هل سيُمنَح الشعب فرصة واحدة في الانتخابات القادمة لمحو كل تلك الممارسات في يوم الاقتراع ؟ وإلا سيتم اتخاذ إجراءات ثقيلة لأسباب لا يد له فيها.
نعم يحق للشعب أن يفرح ولكن لنتعظ من الدروس السالفة والعبر السابقة ، ولنتحلى بالواقعية السياسية بعيداً عن التمنى السمج غير المدعوم بالتجارب الصادقة.
وإن كان حسن الظن مطلوب في الحياة الاجتماعية السوية ، إلا أن الحياة السياسية تتطلب عدم الاتكال عليه ومن كلام العرب:
“الحزم سوء الظن بالناسِ” .
يقول الشاعر العباسي علي بن الجهم :
أسأت إذ أحسنت ظني بكم
فالحزم سوء الظن بالناس
قد يعتبر البعض البيت أعلاه سوداوياً وربما عبثياً إلا أنه في السياسة يدخل في إطار التشكيك المحمود، وكما يقول المثل الشعبي ..”مِنْ عضّه الدّابْ لا يامِن الحبل”
من السابق لأوانه أن نسترخي ونغمد سيوف التحفز ، فالطريق لا يزال طويلاً ووعراً ، والضمانات مفقودة ، ولعل المدى الزمني الذي تم نشره يدعم تلك الشكوك .. “سوف يصدر مرسوم الحل والدعوة إلى الانتخابات في الأشهر القادمة إن شاء الله بعد إعداد الترتيبات القانونية اللازمة لذلك”
حل المجلس لا يتطلب أشهر لإعداد الترتيبات القانونية ، إلا إذا كانت الغاية كسب المزيد من الوقت.
تيقظوا يا سادة يا كرام .. ولا تجعلوا وهم النصر الهش يربك صفوفكم، ويشوش حكمكم على المشهد.
التفاؤل جيد لكني أحبذ التفاؤل الحذر ، فالتفاؤل المفرط يخدعكم، ويستدرجكم لترخوا حبال عزائمكم، وتبسطوا قبضة ثباتكم، فيستغل عدوكم ذلك لهزيمتكم بيسر.