هوامش على دفتر النكسة

عنوان المقال هو اسم قصيدة لنزار قباني كتبها بعد نكسة عبدالناصر معبود الجماهير العربية في حينها .

تلك الهزيمة الشنيعة التي ابتكر الإعلام لها مبررات واهية لم تصمد أمام الزمن.

يتعمّد بعض الورى نسيان وتناسي الأحداث لغايات في نفوسهم، واتعمّد تذكير من لا زال في وجدانهم مسحة من إنصاف.

حين خرجت الجماهير بالآلاف قبل عقد من الزمان كان دافعهم هو رفض العبث في النظام الانتخابي ومقدرات الدولة.

لم تخرج الجماهير انتصاراً لشخصٍ ما بل انتصاراً لحقها السياسي ، لذا فلا فضل لأحدهم على الآخر إلا بثباته، ولا اختبار لذلك الثبات إلا بدفع ثمنه وترسيخ دوامه.

أليس من العبث طيّ تلك الحقبة بالعفو فقط الذي أصبح للجماهير “غاية ” في حد ذاته. عفوٌ جاء بعد تضحيات لم تحقق مرادها الأساسي.

قد يقول قائل أن الحراك نتج عنه إزاحة أول رئيس وزراء في تاريخ البلاد ، وهذا صحيح لكن النتيجة كانت تغيير الأسماء لا النهج ، وعليه فالمعضلة لا زالت قائمة بل هي أشد تعقيداً بعد أن فاز الانتقام السلطوي في جولته الأخيرة ، وشوّه الغاية وجعلها “العفو ” عوضاً عن “تغيير النهج”.

هذا وقد أمعن في غرس خنجر انتصاره حين أربك الجموع حول الخصم الذي كان جلياً يوماً ما لتتعدد الخصوم ، اختاروها لتكون من بين صفوفهم فلم يعد هنالك نقد جمعي للسلطة بل نقد لبعضهم البعض. تفرقوا واختار بعضهم سلاماً مهيناً مع سلطة انتقمت منه شر انتقام فلم تسلبه حريته ولم تهجره فقط بل أجبرته على مهادنتها والثناء عليها.

كان من الممكن أن يكون ذلك العفو بداية لفصل جديد، لو اعترفت السلطة بارتكابها خطأ التعسف مع الرأي الآخر لمواطنين وسياسيين عبروا عن نقدهم لسياسات السلطة بالقول أو رمزية الفعل.

كان من الممكن أن يكون العفو انفراجة، لو أفصحت السلطة عن أسفها لما جرى في العهد السابق، ومع عدم قدرتها على تغيير الماضي فإنها مستعدة لتغيير الحاضر، والاستجابة لمطالب الأنام السياسية بجدية وحسم.

كان من الممكن أن يكون العفو انقشاع غمة ، لو وضع المعفو عنهم طلباتهم السياسية العامة عوضاً عن الاكتفاء بشرط شخصي وخاص يتمحور حول عدم الاعتذار.

عاد المعفو عنهم وفرحت الجماهير بهم ، لكنه فرحٌ شخصيٌّ نابعٌ من عاطفة ذاتية، لا فرح بمكاسب عامة تأخذنا جميعاً لفيافي أكثر رحابة.

عادوا لذات البيئة السياسية التي تسببت لهم وللشعب بالشقاء .

عادوا لأجواء المناشدات الخاصة والشخصية لا المطالب العامة المحددة .

اعفو عن فلان صديقنا ، يستاهل! أما سواه ممن ارتكبوا ذات الجرم في عين السلطة فأمرهم لا يهم.

مجّدوا أخونا فلان من شباب الحراك أما الآخر الذي كان معه كتفاً بكتف ، وخطوة بخطوة فهو غائب في أذهانهم.

عادوا لمحيط أكثر قتامة بترسيخ صورة الحاكم/ الوالد بكل رومانسيتها الساذجة ، بعد أن قطعوا شوطاً بنقد الحاكم كموظف لدى الشعب.

عادوا لحالة التوجس من التعبير الذي قد يجلب العقاب عبر قوانين مقيدة، ولاحتمالية السخط السلطوي في أي لحظة.

عادوا لجماهير كرة قدم تتعصب للاعب معين سواء أصاب أو أخطأ ، فإن قاطع الانتخابات فهو مصيب وإن شارك بها فهو مصيب أيضاً .

إن بالغ في انتقاد متنفذ فهو مصيب ، وإن ارتأى مهادنته فهو مصيب أيضاً.

بل بلغ بهم التعصب أن يقول قائلهم : من أنت لتنتقد فلان ؟

أنا مواطن/ة أيها الإنسان ..يُفترض أن جُل عمل السلطة والسياسيين معاً هو الارتقاء بمستوى معيشتي سياسياً أولاً ثم يتبعها اقتصادياً واجتماعياً لذا لي الحق في انتقاد السلطة وأي سياسي مهما كان إجلالك له.

لقد أصيب الورى بـ “متلازمة دراكولا” ، عاقبتهم السلطة لانتقادها بالأمس، فصبوا اليوم جام غضبهم على من ينتقد ( لاعبهم) أو سياسيهم المفضل. مارست معهم السلطة الانتقائية في تطبيق القانون ، وها هم اليوم يمارسون الانتقائية مع سواهم. كممت السلطة أفواههم مدعية أنها أبخص وهم اليوم يرددون ( لاعبنا أبخص).

ربما زال الألم الخاص بالمعفو عنهم ومحبينهم بشكل ما، لكن الألم العام تنامى.

لعمرى إنها نكسة !

ختامها شعر :

تَلَوا باطِلاً وَجَلَوا صارِماً

وَقالوا: صَدَقنا فَقُلتُم : نَعَم

أَفيقوا فَإِنَّ أَحاديثَهُم

ضِعافُ القَواعِدِ وَالمُدَّعَم

أبو العلاء المعري

مقالات أخرى