المُخادع

المُخادع بحسب المعجم رَجُلٌ خَدَّاعٌ: كثير الخداع، مضلِّل، يكون ظاهره على غير باطنه، متملِّق غشَّاش.

ولقد تلاقت وجهات نظر الأضداد سياسياً في ذلك المُخادع السياسي الذي استباح مساحة غير مسبوقة لممارسة عنجهيته وجشعه بسبل شتى في الساحة الكويتية.

كما أُطلِقَت عليه الألقاب المُهينة كنوع من التنفيس الشعبي الذي لا أظنه مجدي فهو على طريقة : “شبّعونا طراقات وشبّعناهم شتايم”

بدأ ذلك المُخادع حياته السياسية بنقل الأصوات ، وقد قال لي زميل عمل حينها بأنه نقل صوته لدائرته حتى يتمكن من التصويت له.

لم يتحرّج الزميل الطيب من ذلك الذنب فقد اعتبره أحد الذنوب الصغيرة ، ولإن كنت قد استخدمت مصطلح الذنب فإنني لم أقصد به تحديداً المفهوم الديني فقط بل حتى المفهوم الأخلاقي السياسي ، فنقل محلّ التصويت بطبيعة الحال يعني تدليس النتيجة.

وقد قامت مدونة شجاعة في عام ٢٠٠٦ تكتب باسم “Ayya” بتقصّي معضلة نقل قيد ناخبي هذا المرشح تحديداً ، وفضحت حينها قيود ما يزيد عن عشرين ناخب من عوائل مختلفة تم تسجيلهم على بيت واحد في المنطقة.

بدى عملها الميداني التطوعي لبعض المتابعين للساحة ملهاة لأن هذا السلوك دارج ، لكنها كانت تنذرنا ببداية خاطئة لمرشح شاب لم نتخيل في أسوأ كوابيسنا أن يصل لما وصل إليه من ضِعة.

كَبُرَ هذا الشاب وكبرت ذنوبه السياسية معه ، بل استحال سلوكه المعيب (مُعدياً) كفيروس خطر ينشره بين صفوف مؤيديه وسواهم.

كلّما حقق نصراً بأساليبه المضللة زادت شهيته لمزيد من الانتصارات بأي ثمن ، وكلما فاز في معركة تضاعف توتره وقلقه وضاق صدره بأي كلمة نقد ، وانتقل هذا القدر من التوتر لمحيطه الأقرب ، فلم يتوانوا عن التدخل ببذاءةٍ من خلال حسابات بأسماء مستعارة بعدائية ضدّ كل من ينتقده ، رامين عرض الحائط بالأعراف الاجتماعية والدرجات العلمية أو المناصب الأكاديمية التي تقلدوها يوماً ما.

إن سلوكهم يستحضر في ذهني أبيات للراحل مريد البرغوثي تقول:

“أيها الأعداء..

شيءٌ ما يثير الشك فيكم…

أيها الأعداء صار الانتصار

عادةً يوميةً كالخبز في أفرانكم

فلماذا هذه الهستيريا..

ولماذا لا نراكم راقصين..

كم من النصر سيكفيكم لكي تنتصروا..

أيها الأعداء.. شيءٌ ما يثير الشك فيكم ..

ما الذي يجعلكم في ذروة النصر علينا .. خائفين”

ما يعيشه هذا السياسي ومحيطه أقرب للهستيريا التي أعمت بصيرتهم بل وسلبتهم الاطمئنان.

يبدو أنهم متيقنون من استحالة الاستمرار من ناحية ، ومن تضاعف الفاتورة الإجتماعية التي سيدفعونها مرغمين في زمن قد يطول أو يقصر بحسب ظروفٍ ليست تحت سيطرتهم .

امتلك ذلك المُخادع إمكانات لا يستهان بها ، إلا أنه أساء تطويعها، فالذكاء على سبيل المثال ميزة ذهنية تجريدية لا تكسب ألقها إلا من خلال الجانب الذي تستثمر به ، فالذكاء بحد ذاته ليس قيمة خير أو شر بل ميزة تعتم威而鋼
د على ما يتم توجيهها نحوه من غايات.

ولو اعتبرنا الحظ هو مسار إيجابي للشخص خارج نطاق إرادته ، يمكننا أن نعتبر ذلك المُخادع محظوظاً بالتوقيت السياسي الذي لمع به نجمه في ظل حاكم يحمل في نفسه قدراً هائلاً من حس الانتقام لأسباب خاصة تتعلق باستبعاده في زمن ما ، ومنافساته مع غريمه السياسي بل وشعبية أخيه الذي استلم مقاليد الحكم بعمر ٥١ وتولى ولاية العهد بعمر ٤٠ عاماً، وتمتع بحظوة لدى والده ثم الشيخ عبدالله السالم الذي أبرزه رغم صغر سنه ثم الشيخ صباح السالم الذي اختاره لولاية العهد.

وجد ذلك الحاكم ضالته في هذا المُخادع كما استغل الأخير فهمه لنفسية الحاكم ودوافعه ،فزيّن له وسائل الانتقام ، وعبّد له طرق التنكيل ، وهيأ له وسائل تنفيذها.

ظنّ البعض أن رحيل ذلك الحاكم سيترتب عليه استبعاد المُخادع إياه أو تقليص نفوذه ، إلا أن ما فاتهم هو الفراغ السياسي الذي تركه الراحل بعد سنوات من الحكم الفردي لم يكلف نفسه فيها عناء تهيئة عناصر من الأسرة لتولي القيادة من بعده مما صعّب المهمة على العهد الجديد.

ومما غفل عنه البعض أن القيادة السياسية الحالية لم تكن فاعلة بصنع القرار حينها ، بل تمّ ركنها لسنوات لذا من الطبيعي أن لا تتمكن من التعامل مع الإرث السلبي والمصائب المصاحبة له ، والعوار الذي طال علاقة الشعب بالأسرة بعد سنوات الانتقام.

لم تكن مفاجأة أن تتمدد المساحة التي أحرزها المُخادع في ظل العهد الجديد بشيخوخته وضعف إمكاناته، لكنه تمدّد مؤقت سيتبعه سقوط مدوي يجعل منه عبرة يستفيد منها جيل قادم.

ختامها شعر :

قضى الله أن البغي ..

يصرع أهله

وأنَّ على الباغِي ..

تدورُ الدوائرُ

ومن يحتفِر بئراً

ليوقع غيره..

سيوقع في البئر ..

الذي هو حافرُ.

مقالات أخرى