تناقضات سافرة

 

“اعتزل ما يؤذيك” جملة تتكرر بلغات مختلفة وتعابير متعددة ، قد تصلح فيما يخص العلاقات الاجتماعية غير المريحة .. لكن ماذا عن الشأن السياسي والاجتماعي العامين؟

المشهد عبثي وفوضوي ومؤذي للنفس والروح والعقل.
فهل نعتزل ما يؤذينا؟

تناقضات سافرة في المواقف تصل لمنزلق الوقاحة ، فمن يفرح و يبارك براءة مواطن من تُهم التعدي على دولة مجاورة، كان يصفق لعقوبات السجن على ذات التهمة فقط لأن المتهم لا يعجبه.

من يوصي الخلق بعدم الخوض في الأعراض ، كان منذ فترة قريبة لا يتوانى عن أقبح صنوف الطعن لأن المطعون به لا يروق له.

من تتحسر اليوم على مظلومية المرأة في المجتمع الذكوري حسب وصفها كانت تمتنع عن دعم ومساندة أي امرأة تمت ملاحقتها سياسياً بسبب رأي لا يناسب السلطة، طالما أن تلك السلطة تمنحها معاملة تفضيلية على غيرها، وتغضّ الطرف عن عدم امتلاكها لشروط منصب ما تاقت إليه وحصلت عليه لسنوات.

من يطلب تحرّي الدقة في التعاطي مع قضية معينة، وعدم الانقياد للأقاويل ، كان يُدير مصنعاً للأقاويل والاختلاقات .. منتجاته القميئة موجهة لمن لا يعجبه، ولا يرى تضارباً قيمياً بين طلبه الحالي وأفعاله السالفة.

من يرفع اليوم شعار ضرورة رحيل رئيس الوزراء النواف ، كان يتمترس في دفاعه عن من سبقه خلف ذريعة “طاعة ولي الأمر” وأن رئيس الوزراء اختيار الأمير .
فهل تغيرت قناعته الدينية اليوم بتغير الأمير أم بتغير رئيس الوزراء أم قُطعت عنه المنافع؟

من يُبالغ في دعم رئيس الوزراء الحالي وايجاد تبريرات لقصور أدائه، كان يستكنف على غيره الدفاع عن رؤساء وزراء سابقين ، مُتغافلاً عن أحقية المواطن في تقييم الأداء .. لأن ذلك ما يمس حياته اليومية وليس الصفات الشخصية لصاحب أعلى منصب تنفيذي في البلاد.

من يُروج اليوم لمطالب إسقاط القروض وزيادة الرواتب ويرفع راية تحميل الطبقة التجارية كل إخفاقات البلاد ، كان قبل عقود أستاذاً يُدرّس طلبته مباديء الاقتصاد ، ويبسط لهم النظريات الاقتصادية من منظور الاقتصاد “الكينزي” الذي يركز على دور كلا القطاعين العام والخاص في الاقتصاد، دون أن يشرح لنا نحن الذين كُنّا طلبته كيف تحول إلى القناعات الشيوعية والاشتراكية اقتصادياً في هذه المرحلة من حياته.

من يختار تعبير “عيال الحمايل” ليصف نفسه وثلة ممن يتشاركون معه في وجهة نظر معينة في قضية ما ، يتجاهل أن طبقية وتراتبية المجتمع لا تخدمه هو شخصياً ، ومع عدم اتفاقي مع تلك التراتبية وحيثياتها ، إلا ان استخدام الوصف من هؤلاء بالذات سفهٌ اجتماعيٌّ قبل أن يكون سفهاً أخلاقياً.

من يُدافع عن الحريات في الغالب .. يقصد حرياته وأولوياته الخاصة ، فنجد من يهتم بالحرية الاجتماعية قد لا يدافع عن الحرية السياسية والعكس صحيح.

من يستهجن الشتم البذيء لشخصية عامة في الغالب يستنكره إن توجه لمن يحبه ، ويستعذبه إن كان لمن يكره من تلك الشخصيات.

من يتذمر من تعيينات المحسوبية في زمن ما ، ما أن يتولى منصباً حتى يعيّن أقاربه وأنسابه ، ولا يكتفي بذلك بل يتبجح من حوله بعبارات مستهلكة مثل “الكلاب تنبح والقافلة تسير”، ولو استوقفتهم للسؤال عن ماهية تلك القافلة وهل المقصود هو قافلة استغلال المنصب الحكومي العام لتنفيع المحيط الاجتماعي، وكسب “جمايل” على حساب المال العام ؟ لربما اتهموك بالحقد والحسد كي تختلط ورقة السؤال بورقة الإجابة المفقودة.

وأجدني استذكر فقرة من رواية .. “الأشجار واغتيال مرزوق” .. للأديب الراحل عبدالرحمن منيف :

“أنت مُخرّب..أنت حاقد.. وتنهال الصفات، ولكن لفرط استعمالها تصبح مثل غلاف الحية عديمة الجدوى وبدون معنى.
كنت أقول لهم : أنا مجرد إنسان يبحث عن البقايا الشريفة في الناس قبل أن تُسحَق وتتلاشى”

مع كل هذه البشاعة في التناقضات ومع غياب منظومة قيمية جامعة متفق عليها ..
هل نعتزل ما يؤذينا ؟
وكيف ستكون الحياة التي سنتركها لصغارنا من بعدنا إن فعلنا ذلك؟

يبدو تنفيذ الاعتزال يسيراً مع تباعد المسافات وتطاول الزمن ، وقد يكون عملياً من منظور فردي، إلا أن الإشكالية بالنسبة لي قيمية، فالاعتزال انهزامية أخلاقية في حرب لم تُحسم ولن تُحسم حتى يرث الله الأرض ومن عليها.

حرب مع البشاعة والانتقائية والخسة والجور لو اعتزلناها جميعاً وبحثنا عن مساحة “اللا أذى” المُتَخيّلَة سنفقد شرف الصمود والثبات والمحاولات وإن كانت بسيطة.

يقول الله جل وعلا في محكم كتابه :

{وَأَن لَّيْسَ لِلإنسَانِ إلاَّ مَا سَعَى‏}‏
‏[‏سورة النجم‏:‏ آية 39‏]‏

لذا لن أعتزل ما يؤذيني من مشهد عام بائس وسأتمسك بالأمل النَّشِط ، وهو مغاير لأمل الاستسلام للواقع، أو الأمل الكسول الساذج ، ففي الأول سعي قد يفقدك بعض من تبقى حولك، ويعرضك لهجوم قد لا يخلو من فُحْش واتهامات لا حدّ لهما ، لكنه يكسبك نفسك وكما قيل: “قد تخسر كل شيء ، ولا يبقى إلا أنت، وهذا يكفي”.

لعله تذكير لنفسي ولأولئك الذين أشقتهم عبثية الأوضاع بأن لا نعتزل هذا البؤس حمايةً لذواتنا ، فكل كلمة وكل رأيٍ بذرة قد يُكتب لها أن تنمو يوماً ما .

ختامها شعر :

وَهَكَذا كانَ ..
أَهلُ الأَرضِ مُذْ فُطِروا
فَلا يَظُنُّ جَهولٌ ..
أَنَّهُم فَسَدوا

أبو العلاء المعرّي

مقالات أخرى