مناجاة الأموات
لفت نظري أن العديد من قضايا الاستيلاء على المال العام يكون دليل البراءة بها كتاب أو أوامر شفهية من متنفذ توفاه الله.
“أوامر عليا” هي طوق النجاة المُستحدث لإنقاذ الغارقين في بحور التجاوزات والفساد الإداري والمالي.
وكأن تلك الأوامر لا تخضع لمعايير الصواب والضمير الحيّ، ولا مواد القانون أو الدستور.
واللافت أكثر .. أنه كلما تم تضييق الخناق على قيادي بالمساءلة أو الإقالة أو الإحالة للتقاعد ، انبرت مجموعة للدفاع عنه بذريعة أنه كان محل ثقة ذلك المتنفذ الميت.
المدهش أنهم يولولون وينشرون صور الراحل، ويتحسرون على أيامه التي نالوا بها ما فاق أحلامهم من حظوة واعتبار، حتى شُبِّه لهم أن تلك الحظوة وذلك النفوذ مصدرهما ذاتي ، لا كسوة ألبسهم إياها متنفذ ، بَلَت وغدت اليوم أسمالاً بعد مماته.
مناجاة الأموات من ذوى النفوذ ما هو الا سُقْم عقلٍ يأبى أن يُدرك انحسار الوجاهة الآنية المُقتَرَضَة.
كان قرضاً “غير حسن” مقابل خضوع وانصياع لأوامره التدميرية ، وللقروض بطبيعة الحال وقت سداد.
يساورني شكّ في جدية ملاحقات قضايا الاستيلاء على المال العام لأسباب متنوعة ، تتمحور في جلّها حول الثقة كقيمة مفقودة حالياً.
وان كنّا نأمل أن تتم المحاسبة، إلا أن المشهد العام مُقلق ، فمنظومة القيم مختلة لدرجة مريعة.
فالذي يردّد اليوم “المتهم بريء حتى تثبت إدانته” كان لا يتورّع عن توزيع شتى أنواع التهم التي تمس الذمة المالية والأخلاقية على مخالفيه دون رادع.
ومن يردد اليوم “هذا الوقت سيمضي” كان يستمتع بذلك الوقت الذي مضى مضنياً على من دفع ثمن الكلمة .. وثمن الموقف السياسي سجناً ، بل كان يرى في بعض الأحكام تخفيفاً لا يروق له ، ويتمنى عقوبات أقسى ويجهر بذلك الرأي.
ومن يحذِّر من مغبة الانتقام السياسي وخطورته كان يتراقص على دفوف التنكيل بشركائه في الوطن، وينعتهم بأقذع الصفات التي تغتالهم معنوياً واجتماعياً.
ومن يصف النظام الحالي بجملة .. “بعثيين لابسين بشوت” .. كان يُروّج لمفهوم السمع والطاعة للحاكم، والامتثال لتوجهاته وعدم معارضته، بل يذهب بعيداً إلى حدِّ تخوين من له رأي مغاير، ولم يعترف حينها أنه لا يقصد الحاكم بصفته بل حاكم بعينه ، ولا ينطبق مفهومه في الطاعة على من جاء بعده.
يعيش مجتمعنا حالة اضطراب أخلاقي، يُجافي فيه البعض معاني المروءة والإنصاف حين ترجّح كفة هيلمانه ، ثم يعود ليذكِّر الخلق بها ما أن تختل الكفة.
فمن يدعو لإحالة الفاسدين للنيابة ، يناقض موقفه إذا ما أُحيل مسؤول يتشارك معه بالاسم الأخير فيكتب “المكون الفلاني ما فيهم سروق” في تعميم ساذج يفتقر لأبسط قواعد الموضوعية ، أو “أبو فلان مثال للتفاني في خدمة الوطن” .. جملة مطاطة فارغة.. فخدمة الوطن وصف عام لوظائف شتى مقابل أجر، يفترض أن تُؤدى بأمانة وصلاح.
ولعل أطرف التعليقات حول إحالة قيادي للنيابة كانت من نصيب قريبه الذي كتب مدافعاً عنه أن هذا القيادي “هزم المرض بإيمانه وقوته، ولا تزحزحه اتهامات النيابة” . . فهل العافية تُستجلب ذاتياً أم أنها نعمة من نعم رب العالمين بلا حول من المتعافي ولا قوة؟ وهل من أفناه المرض كان ناقص إيمان وقوة؟
وهل كل من تعافى بفضل الله من مرض هو إنسان فوق الشبهات؟
“من يزرع الريح يجني العاصفة” .. وها نحن اليوم نحصد غراس سنوات من إعطاب متعمد للفطرة السليمة والقيم المجتمعية التي حسبناها راسخة.
وسط كل تلك الفوضى القيَمية .. كيف سنتمكن من إعادة بناء مجتمع يتفق على حد أدنى من المعايير الأخلاقية؟
غياب القيم المجتمعية يزعزع بُنية أي مجتمع ، فعلى سبيل المثال .. من شروط الحصول على إقامة دائمة في المملكة المتحدة اجتياز اختبار بعنوان “الحياة في المملكة المتحدة” مادته كتاب من مئة وثمانين صفحة يسرد تاريخ المملكة المتحدة ، ونظامها السياسي ، ونظامها القانوني ، وأبرز المبدعين في شتى المجالات العلمية والأدبية والفنية ، والمبادىء الأساسية للمجتمع تم تلخيصها كالتالي : حق الحياة، حظر التعذيب، حظر العبودية والسخرة، الحق في الحرية والأمان ،الحق في محاكمة عادلة، حرية التفكير والإعتقاد وحرية التعبير.
أما القيم والمسؤوليات فهي كما وردت في الكتاب: احترام القانون ، احترام حقوق الآخرين ، معاملة الآخرين بإنصاف ، التصرف بمسؤولية ، حماية المرء لأسرته، احترام البيئة والحفاظ عليها ، معاملة الناس بمساواة على اختلاف أديانهم وأعمارهم وأعراقهم وطبقاتهم ، العمل لكسب العيش ، مساعدة الآخرين ، و التصويت في الانتخابات.
إنها نبذة يتم اختبار معرفتها لمن يتقدم بطلب إقامة دائمة بعد استيفاء شروط أخرى ، في إعلان واضح ومباشر أن هذه هي قيم المجتمع لمن يريد العيش فيه.
ثم لم يترك نظام الدولة تلك القيم والمبادئ كشعارات وعناوين فقط بل شرّع لها قوانين وأنظمة تحفظها وتحميها من العبث.
قيمٌ لا تتبدل بتغير حاكم أو رئيس وزراء ، ولا تزعزعها تغيّرات في موازين القوى الداخلية ، ولعل هذا هو ما يجسد مفهومي الخاص لمعنى الاستقرار.
وأجدني اليوم أتساءل ما هي قيم المجتمع الكويتي اليوم؟ وهل هناك إجماع عليها إن وجدت؟
أسئلة للتفكّر .. فلا أظن أن أحداً يملك إجابات قطعية صادقة.
ختامها شعر :
لا تَلتَمِس ..
غَلَباً لِلحَقِّ في أُمَمٍ
الحَقُّ عِندَهُمُ ..
مَعنىً مِنَ الغَلَبِ
أحمد شوقي