نشْرط .. ولا يُشرَطْ علينا
من الحكايات العائلية الموروثة الظريفة .. قيل أن رجلاً تقدم لخطبة إحدى نسائنا ( رحمها الله وموتاكم )، لكن والدته اشترطت عليها أن تغيّر مفرق شعر رأسها من الجنب ( فَرْق عَوي ) إلى المنتصف ( فَرٍق عَدِل) .. فردَّت والدة المخطوبة بحزم برفض المتقدم قائلة : “احنا بنتنا تشرط ما ينشرط عليها ” أي أننا نعزّ ابنتنا ونُعلي من شأنها ولا نقبل بمن يضع شروطه للارتباط بها، بل هي بمكانة تؤهلها لأن تضع شروطها لا أن تُملى عليها الشروط.
ورغم بساطة الحكاية إلا أن أثرها النفسيّ في تكويني ربما أخذ مدىً لم تتخيله بطلات الرواية ولا الراوية ( يا مال براد الجنة لهن جميعاً ) وقد لا يتسع المجال هنا لسردِ ما أمدتني به من اعتزاز بالذات وعدم التهاون بالتنازلات المهينة وإن صَغُرت في عيون الآخرين .
وعطفاً على القصة العائلية أعلاه وكوني من رحِمِ أولئك الشامخات فإنني أحمل في عروقي شيئاً من كرامتهن وعزتهن التي تجعلني لا أُطيل التفكير في موقفي في هذا المقام بأنني:
لست ممن يقبل العفو ممن ظلمني بالملاحقات السياسية والأحكام المسيّسة الجائرة.
ولست ممن يقبل عفواً من سلطة جعلت من بلدي مكاناً لا أرى فيه سبيلاً للعيش الكريم ولسان حالي يردد مع الشاعر عبد الرزاق عبد الواحد بتصرف:
كبيرٌ على ( كيفان) أني أعافها
وأني على أمني لديها أخافها
كبيرٌ عليها بعد أن شاب مفرقي
وجفت عروق القلب حتى شغافها
ولستُ ممن تختل موازينُهُ وينسى السبب الأساسي في الحراك الشعبي الذي شاركت به وكان سبباً في استهداف السلطات لي بالملاحقات والأذى.
ولستُ ممن يتنازل عن حقوقه الطبيعية في التعبير عن الرأي والنقد السياسي للسلطة.
ولستُ ممن يتعامى عن التمايز في تطبيق القانون بين المواطنين ، فيُحكمُ أحدهم بالسجن سنوات مع النفاذ بسبب نقد دولة جوار، ويتم العفو عن آخر لذات التهمة، بل قد يتم حفظ القضية إن كان من المقربَين.
ولستُ ممن يسمّي التراجع “مرونة” أو تغيير المواقف “سياسة”، أو يقبلُ بالممكن لأن مخزون الجَلَد لديه قد نفد.
ولست ممن يقبل بنهجٍ عشائريِّ يصبح فيه الحاكم بمثابة والد نقبل منه ان يؤذينا من خلال أدواته، ثم يتكرم بالعفو عنا دون اعتذار ورد اعتبار من تلك الأدوات.
ولستُ ممن يحيدُ عن مطالباته بالتطور السياسي الذي يختار به الفرد من يتولى شؤونه في السلطة التنفيذية، ويختار من يمثله بالسلطة التشريعية وفق نظام انتخابي يقبله ولا يفرض عليه .
ولستُ ممن يتراجع عن مواقفه كي يتوافق مع سيكلوجية الجماهير الفرحة بالفُتات.
نعم أنا مجرد مواطنة، ولا أملك ما تملكه السلطة من نفوذ وأدوات ، لكنني أملك قراري وأتحمل مسؤوليات طرحي وأتفهم وعورة الدرب الذي اخترته بإرادتي المحضة مستعينة برب العالمين، والدعم المطلق والمساندة غير المشروطة من زوجي وشريك حياتي الذي أخرجني بتخطيطه المتقن وحُسن تدبيره من ” القرية الظالم أهلها” ، وابني الذي تحمّل معنا تبعات مواقفنا دون أن يدركها في حينه ، إلا أنه اليوم أكثر استيعاباً وتفهماً وفخراً بها.
لذا فأنا أرفض عفواً مهيناً ، وأرفض بشكل مطلق أن يُقدِّم أيا كان نيابةً عني رجاءً بأن يشملني مثل هذا العفو، مهما كان موقعه في دائرتي الاجتماعية ، فلكلِّ امريءٍ توجهه ورؤيته وقدراته وإن حَسُنت النوايا.
ختامها شعر :
ألعبِ المنكوس وارفع بصوتي ما عليّ
من هَلِ المنقود وأهل العلوم الهيَنة
بخوت المرية