عنك زين

كلما تعالت صيحات الاستهجان من الشعب ضد الممارسات السلطوية، انهالت عليهم الاتهامات بالسعي لتغيير النظام، فتتكرر ردة الفعل الكويتية الطيبة بنفي التهمة وتأكيد الولاء لأسرة الصباح.

يحضرني هنا مشهد من مسرحية (بني صامت) للراحل عبد الحسين عبد الرضا ينهر فيه شخصاً في مكتبه في اللحظة التي يجيب بها على الهاتف الأرضي، فيظن المتصل أنه يقصده. يوضح عبد الحسين للمتصل بأنه ليس المقصود .. “مو عنّكْ ! والله مو عنّكْ” .. فيُصّر المتصل بأنه يقصده ، ليُنهي عبد الحسين المكالمة بجملة : “عنّكْ .. زين!” ويقفل الخط.

ما هو الجرم فيما لو أجبنا :
نعم نريد تغيير النظام ؟

نريد تغيير نظام عبث ولا يزال يعبث بالنظام الانتخابي ليبدّل مخرجاته من مخرجات تمثل إرادة الأمة إلى أخرى تمثل إرادة السلطة.

نظام يسعى لتكون له أغلبية نيابية في البرلمان، تصل لمقاعدها بأصوات مدفوعة الثمن.

نظام يُثري من ورائه بعض ممثلي الشعب مقابل التصويت لصالح الحكومة مع عدم الالتفات لتقريع ناخبيهم.

نظام يُجنّد شتى الوسائل الإعلامية لعمليات اغتيال معنوي ممنهجة لمعارضيه بالشائعات والأكاذيب.

نظام يعتمد في محاكمة الناشطين والسياسيين ـ لإصدار أحكام ترضيه ـ على بعض القضاة ممن ثبتت رشوتهم من قبل متنفذين، مما يسلب المواطن الشعور بالأمن والعدالة.

نعم نريد تغيير النظام الذي يمنح الحاكم سلطة مطلقة لتعيين أحد أفراد أسرته رئيساً للوزراء، ويعيد تعيينه مراراً وسط تبرم الشعب من أدائه، ولعل وجود رئيس مخلوع وآخر في السجن بتهم تجاوزات مالية يعكس مثالب نظام الاختيار وعوار آليات المحاسبة.

إن وجود جابر المبارك في السجن اليوم هو إدانة للنظام الذي اختاره، ومنحه كل تلك الصلاحيات ، بل وجدّد اختياره ودافع عنه وشهد له بنظافة اليد.

نعم نريد تغيير نظام ينتج عنه وزير داخلية يقبع مع أخيه في السجن ، ذلك الأخ المسؤول عن ملف الجنسية الذي ابتز الشعب به جهاراً، ثم لم يجد رئيس الوزراء نفسه مضطراً للتصريح حول وجود أحد زملائه السابقين في السجن في سابقة خطيرة، تم دفنها بالتعتيم الإعلامي بلا أدنى حياءٍ أو تحمّل للمسؤولية السياسية.

نعم نريد تغيير نظام يتحوّل فيه رئيس الجهاز الاستثماري في الدولة في حقبة الرئيس المخلوع لخادمٍ لا يتوانى عن ارتكاب شتى صنوف المخالفات، مطوِّعاً إمكانات الجهاز ليغدو أحد منافذ التحويلات المالية المشبوهة.

نعم نريد تغيير نظام يستقيل فيه وزير خارجيته اعتراضاً على ضلوع وزارته بتحويلاتٍ خارجيةٍ مشبوهة عبر بعض السفارات دون أن يتصدّى هو بنفسه لمحاسبة ومعاقبة مرتكبي هذه الجريمة، ظناً منه أن الاستقالة فقط تحافظ على اسمه وإرث أبيه.

نعم نريد تغيير نظام يُرضي رئيس وزراء مخلوع بتعيين ابنه وزيراً للخارجية، وتهيئته لتولى مناصب أعلى وأرفع مستقبلاً.

نعم نريد تغيير نظام يضع مقدرات وأموال المتقاعدين في يد موظف، يستغلها خلال عقود من الزمن لبناء امبراطوريته المالية، بتعاون مع أحد أعضاء مجلس إدارة تلك المؤسسة ممن ثبتت عليه تجاوزات مالية في جهة حكومية سابقاً.

نعم نريد تغيير نظام مخرجاته التعليمية متخلفة أكاديمياً عن نظرائه في دول مجاورة.

نعم نريد تغيير نظام بدد المليارات تحت بند العلاج بالخارج، عِوضاً عن استثمارها داخلياً بتطوير المنظومة الصحية.

السعي لتغيير النظام ليس جريمةً إطلاقاً، فقد قامت السلطة بتغيير النظام عدة مرات ، ففصل ولاية العهد عن رئاسة مجلس الوزراء كان تغييراً للنظام، وها هي السلطة اليوم تسعى لتغيير النظام بالالتفاف على محاسبة الرئيس من خلال أضحوكة تأجيل الاستجوابات المزمع تقديمها.

كما أن تعليق العمل بالدستور في مراحل تاريخية متلاحقة واستحداث نظام برلماني مشوه كالمجلس الوطني في حقيقته تغييراً جذرياً للنظام.

يُجمع غالبية الناشطين والمهتمين بالشأن السياسي على أهمية التحول لنظام الإمارة الدستورية، التي يكون فيها منصب الأمير لأسرة الصباح ،فيما الإدارة التنفيذية في الدولة للشعب.

ماذا لو كان من أشكال التغيير هو كيفية انتقال الإمارة في أسرة الصباح، فعوضاً عن الانتقال العشوائي ، يتم اعتماد الانتقال الرأسي من الأب لأكبر أبنائه وفق ضوابط محددة.

ليس هناك من شك بأن استحداث أحزاب سياسية مطلباً وجيهاً مستحقاً لتأسيس نظام برلماني حقيقي، يتوافق مع مطلب الإمارة الدستورية.

ولعل أمامنا تحديات جسيمة في صياغة ماهية تنظيم تلك الأحزاب بما يرسخ الممارسات الديموقراطية ، وعلينا أن نستفيد من خبراتنا السابقة مع التجمعات السياسية، والتي قصّرت في مهامها، وخذلت الجماهير في العديد من المواقف الحاسمة بل وأضحت أذرعاً للسلطة.
إن مراجعة طريقة تأسيس تلك التجمعات، وكيفية اختيار رؤسائها وتمويل حملاتها الانتخابية، وطريقة محاسبتهم من قبل أعضاء التجمع قد يكون بداية جيدة لتجنب مثالبها في ما لو تحولت إلى نواةٍ لأحزابٍ سياسيةٍ حقيقية.

قد لا نملك حالياً إجابات واضحة متكاملة لتلك المسألة الحتمية ، لكن من الضروري أن نستبق الأحداث، ونطرح تلك التحديات ونناقشها ونختلف حولها، فحركة التاريخ لن تنتظر “كسلنا الفكري” أو “خوفنا الفطري” أو “ترددنا السياسي”.

إن لم نجد إجابات نرتضيها ، سيتم فرض أخرى علينا.

وختاماً لا تجزعوا من تهمة تغيير النظام ، وإن وجهها أحدهم إليكم أنصحكم بالرد على طريقة المرحوم عبد الحسين عبد الرضا :

“عنك زين”

مقالات أخرى