“سَبّ الريّس سَيّدي”

يتخيل المرء أنه بمأمنٍ مما طال ويطول غيره من شعوب المنطقة من استبداد مريع.

نُبعد عن أذهاننا احتمالية أننا نسير بخطى حثيثة نحو البيئة السياسية لأنظمة كنا نسمع بها وربما نتندّر بالحكايات المنقولة عنها، ولعل تلك حيلة كي لا نواجه ذواتنا باستحقاقية التحرك الجاد لوقف ذلك الانحدار المتسارع.

“سَبّ الريّس سَيّدي” تلك التهمة الدارجة في ذلك النظام البائد غدت تهمة رائجة في بلادنا. رواجها لا يختص بالجهات السلطوية التي تتبناها بتعسف وتطويع مطاطي للقانون، بل يتعداها لجماهير تتحمس لإيقاع العقوبة بصاحبها تزلفاً للسلطة حيناً وانتقاماً رخيصاً من شخص ما حيناً آخر.

ان التحريض المُتصاعد بعد خطاب الدكتور فيصل المسلِم الذي شكر به الأمير ومدحه ـ مدحاً عريضاً ـ يدخل ضمن باب “سب الريس سيدي”.

فيقول مخاتلهم: كيف تجرّأ الدكتور فيصل بأن يقول للحاكم أنه توقّع منه العفو خلال أيام من توليه الحكم لا بعد عام؟

عَجباً، لم تعد النوايا وحدها محل تجريم بل حتى التوقعات.

لقد أمسوا يعتبرون الكلام المهذب شتيمة وانتقاصاً، ولعل هذا يُخيفُ البعض لكنه قد يجعل الجسور أقلّ تحفظاً في القادم من الأيام، طالما حتى اللفظ اللين مجرّم، فيتبنى قاعدة أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه “إذا ضربت فأوجع فإن العاقبة واحدة”.

إن تكاثر اتهامات “سَبّ الريّس سَيّدي” لا تمس فقط حرية التعبير ، بل توحي للمتابعين من خارج البلاد بأن شعبية الحاكم في اضمحلال إذا ما تابعوا تنامي تلك التهم وزيادة عدد المجرّمين.

لقد حكم الأمير الأسبق جابر الأحمد الصباح رحمه الله تسعةً وعشرين عاماً .. تمثّل أكثر من ٦٠٪؜ من عمري ، لا أذكر خلالها حالة لمثل تلك التهمة حتى سهواً ، فإن كان التعبير أحياناً يخون فلم يا ترى كان التعبير وفيّاً دائماً في عهده.

لا يمكن أن نتهم وسائل التواصل، لأن الاتهامات نالت خطابات سياسية ومقالات مما كان دارجاً في ذلك العهد. هلاّ تفكّرت السلطة بأسباب ذلك وكيف تبدّل الحال بعده لتغدو تهمة “سَبّ الريّس سَيّدي” شائعة؟

لقد أطلق النظام البعثي على المجرم صدام حسين تسعة وتسعين لقباً تمجيدياً منها على سبيل المثال لا الحصر :

ضمير الأمة،

حامي حمى الإسلام،

رب الأسرة العراقية

و هبة السماء للأمة العربية

وإن كان شعب العراق بعد إعدام الطاغية يستطيع السخرية اليوم من تلك الألقاب ومناهضتها، إلا أن ذلك كان مستحيلاً إبان حكمه.

فهل حمت ألقابه العراق؟ هل عززت تماسك جبهته؟ وهل على الأقل أنقذت صاحبها من الهزيمة النكراء المتبوعة بالقصاص؟

لنتفكر يا سادة فلقد أخذ البعض يتنافس في إطلاق الألقاب على الحاكم تزلفاً وتملقاً لا يخدم الحاكم ولا البيئة السياسية المنشودة.

لنلتزم قيمياً بقاعدة عدم مدح من يجرم القانون انتقاده، ففي ذلك صون للصدق وحفظ للثقة وإيقاف لسيل النفاق الجارف الذي لم يحمِ غيرنا من الشعوب.

لنقف بصلابة ضد حملات التحريض الزائفة التي تزجّ مجتمعاتنا في غياهب فوضى سياسية وأخلاقية.

 

ختامها شعر :

ملَكَ النفاقُ طباعَه فتَثَعْلَبا

وأبى السماحةَ لؤمُهُ فاستكلبا

فترى غروراً ظاهراً من تحته

نَكدٌ فَقُبِّح شاهداً ومُغيَّبا

ولَشرُّ من جرَّبتَهُ في حاجةٍ

من لا تزال به مُعنَّى ً مُتعبَا

ابن الرومي

مقالات أخرى