آفة الانتظار
يقول الشاعر الخزاعي:
عليك السلام..فإنيّ امرؤٌ
إذا ضاق بي بلدٌ..راحلُ
إن واقع خروج الكويتيين من البلاد لأسباب سياسية بحاجة إلى تحليل، ليس لدراسة الدوافع فهي واضحة للعيان ولكن لتبيان أهداف الخروج وكيفية تعامل الفرد معه وانعكاساته عليه وعلى الحالة السياسية العامة في البلاد.
هناك من غادر الكويت اعتراضاً على الوضع المتدهور ونأياً بنفسه عن بيئة الملاحقات السياسية الانتقامية المتعسفة، ومنهم من غادرها شجباً لأحكام صدرت أو متوقع صدورها ضده بسبب نشاط سياسي سواء بالكلمة أو بالموقف.
إنني من المؤيدين لرفض تنفيد الأحكام السياسية الجائرة، فمن صنوف ترسيخ العدالة رفض الخضوع لقوانين ظالمة أو أحكام متعسفة تصدر بموجبها.
لقد اتفق المغادرون على رفض وشجب ومناهضة نهج السلطة، إلا أنهم تباينوا في تعاملهم مع حالة الاغتراب، فمنهم من خرج من البلاد ليستوطن ويستقر في بلد يقيم فيه، ويمد جذوره ليخلق لنفسه وطناً بديلاً يحقق تطلعاته بسيادة القانون وصون الحريات وكرامة الإنسان، ومنهم من خرج بشكل “مؤقت” ليراقب الأوضاع داخل الكويت أملاً في تحسنها بما يكفل له عودة قريبة.
ولو سُئِلت تلك الفئة عن سبب خروجها من البلاد ستجد حتماً إجابة محددة وواضحة، ولكن لو سُئِلت عن الخطوة التالية لذلك الخروج فإننا لن نجد إجابة بذلك التحديد والوضوح.
إن تعريف “المؤقت” عادة ما يقصر عن تبيان البعد الزمني، فالمؤقت قد يكون شهور أو سنوات ، تطول وتقصر.
الإشكالية هنا أن المتحكم بالبعد الزمني لتلك الغربة هو “السلطة” التي تعي تماماً أن من خرج سيكون في حالة انتظار وترقب.
إن حالة الانتظار التي يعيشها السياسيون والناشطون في الخارج تصنع وضعاً سياسيّاً “هشاًّ” تستغله تلك السلطة في تحقيق مآربها.
إن حالة الانتظار بطبيعتها مناقضة للاستقرار ، مما يزعزع الإنسان، وقد يخلط أولوياته ويشوش رؤيته.
الإنسان بطبيعته self centered يتمحور حول ذاته وتلك غريزة من أجل البقاء، لذا يتصور “البعض” أن أهم هدف سياسي عام هو حسم حالة انتظاره “هو” في غربته بفرض عودته بطريقة أو بأخرى.
إن عودة المهجرين “مستحقة” لكنها ليست كما أرى هدفاً محورياً ، بل هي ضمن حزمة من التغييرات التي تكفل عدم تكرار حالة العبث والعدمية السياسية.
ما قيمة أن تعود أيها المهجّر لوضع سياسي أسوأ مما هو عليه حين غادرت؟
أي مناخ سياسي ستعود إليه؟
ما الذي يضمن عدم اضطرارك أو اضطرار أولادك للخروج ثانية للأسباب ذاتها ؟
أسئلة قلّما يطرحها المغترب السياسي الغارق في متاهات الانتظار .
اهزم أيها المغترب السياسي آفة الانتظار بتثبيت الوتد في أرض إقامتك، أخرج ملابسك من حقائب السفر وخزنها في علية محل إقامتك.
راقب المشهد السياسي لكن لا تجعل من تلك الرقابة “ترقب” لأي بادرة تغذي أمل عودةٍ عاجلةٍ.
لا تحمّل السياسيين في الداخل عبء التفاوض مع سلطة جائرة من أجل عودتك، فالمفاوضات غير متكافئة مما يعني بالضرورة تنازلات من الطرف الضعيف .
كمراقبة للشأن العام لم أعد أتبيّن ما هو الهدف الأول على سلم الأولويات السياسية المنشودة، فتارة يكون إعادة الجناسي دون حل معضلة سحبها، وتارة يكون إيصال عدد من المرشحين دون حل “نكبة” فرض الصوت الواحد، ومرة أخرى يكون السعي للعفو عن المدانين في قضية دخول المجلس دون حل طامة تسييس القضاء، وحيناً يكون خلع الرئيسين الفاشلين دون ضمان آلية تمنع تعيينهما مرة أخرى أو استبدالهما بمن هو على شاكلتهما أو أسوأ.
إنها بمجملها حلولٌ مؤقتةٌ لا تجتث أصل البلاء، ولا تحقق نقلة نوعية حقيقية لفضاءات أرحب.
لقد اعترف النائب الدكتور حسن جوهر ـ في التسجيل الصوتي الذي وجهه بالأمس للجماهير ـ بعجز ممثلي الأمة عن الرقابة والتشريع بسبب استخدام السلطة لأدواتها المتعددة في عرقلة ذلك، وأعلن صراحة أن الطريق مسدود.
ومما لفت انتباهي أن الدكتور حسن طلب من الشعب أن يتدخل دون تحديد لكيفية التدخل المطلوب ، كما طرح خيار العودة للشعب من خلال صناديق الاقتراع كحل مع عدم ضمان إعادة السيناريو ذاته الذي سد الطريق .
يقول الراحل مريد البرغوثي : “الكوارث لا تسقط على رؤوس الناس كما تسقط الشهب من السماء. لنا حصتنا من الأخطاء بالطبع. حصتنا من قصر النظر ”
اقبلوا بمراجعة إخفاقات الحالة السياسية من جانبكم كمناهضين لنهج السلطة . ففي ذلك استثمارٌ أنجعٌ للانتظار الذي يمتد أيام وأسابيع وشهور تتجمع وتغدو سنوات تجر أخرى.
ضاق الوطن فخرجتم فلنفكر بشكل جماعي كيف يمكننا وضع مشروع يكسر هذا الضيق السياسي جذرياً Once and for all.