“ظاهر” و “طالب”

تشكّل وعيي بمعضلة غير محددي الجنسية في سن لا يتعدى السادسة.

موقفٌ رُويَ بحضوري لشخص أُجلّه وأحترمه وهو جد أبناء خالتي .. الذين تربيت معهم وكانوا لي كأخوة.

كان للجد رحمه الله سائق خاص اسمهظاهر” .. مخلص لرب عمله .. قال له يوماً : “يا شيخ متى ستسعى لمنحي الجنسية الكويتية ؟فردّ عليه الجد: “لو منحتك إياها لن تعمل بعدها سائقاً عندي.”

حين مرّت الحكاية على مسامعي استعصتْ على فهمي كطفلة إلا أنها تخزنت في مكان قَصيّ في وجداني.

بعد عقدين من الزمان حكى لي زوجي عن جده النوخذة أحمد القصّار والذي وجد ولده النوخذة يوسف رحمهما الله جميعاً طفلاً صغيراً يتردد  وحيداً على الساحل العماني حيث ترسوأبوامالسفر الكويتية .. فلفت نظره وسأل عن اسمه وعن أهله ، فقيل له بأنه يُدعىطالبوأنه يتيم الأبوين ويفترش الشاطيء منزلاً غالباً.

حنّ قلبه عليه وقرّر أخذه معه الى الكويت ، تربىطالبفي بيت العائلة حتى اشتد عوده ، وحين بدأت لجان الجنسية في أوائل ستيناتالقرن الماضي بالعمل سعى له الجد أحمد للحصول على الجنسية الكويتية .. وكان له ذلك.

فاستحضرت بيت الشاعر إبراهيم ناجي لمقارنة مآل كل منظاهروطالب” :

إنّما الدنيا عُبابٌ ضمنا

وشطوطٌ من حظوظٍ فرقتنا

لقد تجاهلت السلطة عامدةكارثةغير محددي الجنسية حتى تفاقمت وتعقدت فيما كان حلها في بداياتها متاحاً ويسيراً.

استفحلت القضية وتشابكت بسبب الإهمال وسوء التدبير حتى وصلنا إلى ما نحن عليه الآن .

حين كنتُ رئيسة اللجنة الثقافية في رابطة كلية التجارة والاقتصاد والعلوم السياسية في جامعة الكويت، أقمنا ندوة في الكلية بعنوانالبدون” .. ولا يمكن أن أنسى ما قاله لي الدكتور محمد صباح السالم الصباح والذي كان حينذاك معلمي ومرشدي العلمي : “هذاموضوع أكبر منك !” فأجبت بانفعاللا يوجد موضوع أكبر من أن تتم مناقشته في أروقة الجامعة” .. عبّر الدكتور عن استياءه مني فيالمحاضرة التالية لحواري معه، بأن أسمانيداليا، وهو المعروف بحفظه لأسماء طلبته بشكل لافت خاصة وأننا ثلاثرانياتفي الفصل ولم يكن بيننادالياواحدة ، ثم عرفت لاحقاً بأنها طريقة يستخدمها للاستهانة بالناس.

داليااسم لطيف ، ربما لو اختار لي غيره لتأثرت.

ولا يمكن الحديث عنكارثة البدوندون التطرق لتزوير الجنسية والتجنيس العشوائي المزاجي الذي زاد من ظلم الفئة المستحقة من غير محددي الجنسية ، يشاهدون تجنيس هذا وذاك على أسس غير مشروعة وغير عادلة فيما هم يعانون من ظلم مُزمن.

ولسان حالهم يردد بيت يزيد بن مفرغ الحميري:

أفإنسٌ !

ما هكذا صبرُ إنسٍ

أم من الجنّ !

أم خُلِقتُ حديدا

هناك حرب طاحنة بين طرفين من الشعب الكويتي ، أحدهما يؤيد تجنيس الجميع والآخر يعارض التجنيس بشكل مطلق ويرفع صفةالاستحقاق عن الآلاف.

هذا ويتجاهل الطرفان تمحيص الأبعاد السياسية والاجتماعية والمالية لمطالباتهم.

عرضت قناة الـبي بي سي BBC التلفزيونية تقريراً عن عدد النازحين بطريقة غير مشروعة عبر القنال الإنجليزي لعام ٢٠٢٢ ، وأعلنتالأرقام والجنسيات ، مما لفت نظري أن الكويت ظهرت في ذلك التقرير وأن عدد النازحين ممن يدّعون هربهم من الكويت عبر مراكب الموتلبريطانيا هو١٩٨منذ بداية العام وحتى الآن.

تُنفق بريطانيا يومياً أربعة ملايين جنية إسترليني على أولئك النازحين ، وتوفر لهم السكن المؤقت في ملاجئ أو فنادق محددة لحين البت فيأمرهم، وتمنحهم مخصصات مالية قليلة إلا أنها توفر لهم عيش الكفاف.

ولأن تلك الأموال هي أموال دافعي الضرائب فالقضية غدت قضية رأي عام ، حيث يرى البعض أحقيتهم بتلك الأموال لتحسين الصحة والطرقوما الى ذلك، فيما يرى آخرون أن تلك الأموال مستحقة كجزء من المسؤولية الدولية تجاه قضية إنسانية.

وقد انشغل الرأي العام بمناقشة حل غريب نوعاً ما تم طرحه والبدء بتنفيذه وهو نقل أولئك النازحين إلى رواندا في القارة الافريقية.

إن حل المعضلة يبدأ من دراسة أبعادها ولعل أولها البعد السياسي في علاقة الكويت بدول الجوار والمجتمع الدولي.

أما البعد الإجتماعي فهو الأخطر والذي يؤثر على بنية المجتمع وتركيبته بشكل عام.

ولا يمكن حل هذه المشكلة دون الإقرار بأن حلها يتطلب دعماً مالياً ينهي معاناة تلك الفئة ويضع حداً لتعطيل جزء من نشاط السلطة التنفيذية التي انشغلت لعقود بتلك القضية ،حتى وإن كان ذلك الانشغال فاشلاً ولم يأتِ بنتيجة تُذكر ، إلا أنه انشغال يجب أن يُحسم ليتم الالتفات لأمور حيوية تتعلق بتطوير الدولة.

كل المطروح حالياً لا يخلو من نزق ، فالتجنيس للجميع ليس عدلاً، فالفرق بين العدل والمساواة جليّ ، أن تساوي المستحق بغيره يخل بمبدأ العدالة ، كما أنه قد يُغري آخرين للتسلل للبلاد على أمل الحصول على تلك المساواة في التعامل بعد سنوات .

أما إغلاق باب التجنيس أمام المستحق فهو ظلم بيّن يهضم حق تلك الفئة التي عانت ولا زالت تعاني من الحرمان والإعدام المدني .

قدَّم الجهاز المركزي بقيادة السيد صالح الفضالة عملاً لافتاً في فحص ملفات المدعين وتمحيصها وتنقيحها لتحديد الفئة المستحقة .. فلماذا لا تعتبر قاعدة البيانات هذه أساساً  وفق شروط يتم الإعلان عنها والالتزام بها لتجنسيهم فوراً .

أما البقية فيتم اعتبارهم لاجئين ولا بأس من استنتساخ حلول من تجارب العالم في التعامل مع هذه الحالة .

إن محاولة التفرد في إيجاد حل خاص لا مثيل له ضرب من خيال .

اللاجيء في الغرب يتم صرف مبالغ مالية لدمجه بالمجتمع وتدريسه تاريخ البلاد والقيم المجتمعية له وقوانينه .

في عام ٢٠١٩ حصلت وعائلتي الصغيرة على حق الإقامة الدائمة في بريطانيا بعد مضي خمسة أعوام على انتقالنا بڤيزا مستثمر .

تطلب الأمر اجتياز اختبارين من قبل الجهات المختصة ، أحدهما اختبار لغة إنجليزية تحريري وشفوي ، واختبار معلومات اعتمد على كتابمُعَد من وزارة الداخلية بعنوان ( الحياة في المملكة المتحدة / Life in the United Kingdom ) من ١٨٠ صفحة ، يضم تاريخ البلاد منذ عشرة آلاف سنة وقبل انفصالها عن اليابسة لتغدو جزيرة ، ومن حكمها من الرومان إلى الانجلوساكسون إلى الڤايكنغز، إلى النورمان،وأهم الأحداث في العصور الوسطى والحروب المهمة في التاريخ وتحوّل البلاد الى البروتستانية ، ثم تحوّلها القصير إلى جمهورية وعودتها للملكية  ، وكيف تبدّل نظامها للملكية الدستورية في عام ١٦٨٩ ، كما يضم الكتاب أهم الإنجازات لنابغين من البلاد في العلوم والهندسة والأدب والفنون.

وقوانين الدولة ونظامها القضائي ، وفي الختام عرض لمنظومة القيم العامة التي تشكل المجتمع البريطاني .

تطلب الاستعداد لذلك الاختبار شهراً من الدراسة وحفظ ومراجعة التواريخ والأسماء ، استفدنا منها أيما استفادة في فهم محط استقرارنا .

أذكر ذلك لتبيان أن الجدية في التعامل مع الإقامة الدائمة مفيد وناجع للسلطة والمجتمع والقادم الجديد.

على كلا الطرفين المتناحرين حول قضية غير محددي الجنسية عقلنة تراشقاتهما ، ودراسة الأبعاد بموضوعية لاستخلاص حل عادل طويلالمدى لمأساة إنسانية تعقدت واستفحلت بالإهمال وسوء الإدارة .

فوضى عمّت شتى المناحي وغدت ركناً من حواراتنا ونقاشاتنا مما جعل التوصل لحلول سليمة شاق وعصيب.

ختامها شعر :

لقد كان فينا

الظُلمُ فوضى..

فهُذِّبَتْ حواشيهِ

حتى صار ظُلماً مُنظما

حافظ إبراهيم

مقالات أخرى