مِجْهَرُ البُعد
“إذا أردت أن تعرف ما يحدث في بلدك فارحل بعيداً عنه“
مقولة شهيرة لشارل ديغول ، كان انطباعي الأوليّ عنها أنها شاعرية ، إلا أن الزمن أكد لي صحتها واقعياً.
حين ترحل بعيداً عن وطنك لا تراه في البدايات إلا بمنظور الحنين المشوب بالسخط لأن من فيه أجبرك على تركه ، لكن مع مرور السنوات وتلاشي الضجيج المصاحب للعيش به ، واضمحلال مساحة التراشقات الانفعالية ، وانقطاع التأثير المباشر للأحداث عليك ، تبدأ بالتدبر في أحواله بطريقة مغايرة.
ينزع عنك الزمن نزق الاصطفافات السياسية المتشنجة ، ويغريك بمراجعة دقيقة وعميقة لسير الأحداث نازعاً عنك الانحياز لمواقفك السابقة على إطلاقها، ولن أكرر هنا ما ورد في مقالات سابقة حول رؤيتي لحال البلد عن بُعد.
يمنحك البعد مجهراً مكبّراً إذا ما عزمت على اتخاذ خطوة جريئة باختيارك للرؤية من خلاله.
ويلقى عليك أسئلة قد تتلعثم حين تحاول الإجابة عليها.
ورغم أن “ديغول” في مقولته حدد البلد والبعد عنه كوسيلة لمعرفته بشكل أفضل ، فإنها تصح في حال تطبيقها على الابتعاد عن المحيط الاجتماعي من أسرة ممتدة وأصدقاء ومعارف.
يهبك اتساع المسافة والمدى الزمني فهماً آخر لدور المحيط الاجتماعي في حياتك وموقعك في هذه المنظومة الاجتماعية.
اختبار الزمن والمسافات ليس سهلاً على العلاقات الاجتماعية في مجتمع صغير يعيش في رقعة جغرافية محدودة حيث لا يبعد أي فرد عن آخر أكثر من مسافة يمكن قطعها بساعة ونصف.
“إنْ غاب عن عيني سلا عنه بالي ” .. مثل شعبي يعبّر عن تعاملنا مع الغياب وقياسه بالحضور الجسدي الفعلي في المكان.
ويقابله مرادفات لدى مجتمعات عربية أخرى مثل “بعيد عن العين بعيد عن القلب” و “غيبوا عن النواظر تسلاكم الخواطر“.
لذا أرغمني الُبعد على أن ألتمس العذر لضمور علاقات اجتماعية لم تتمكن من مجابهة الغياب الممتد في خضم إرث يعطى قيمة لما تراه العين، بل وجدت بها فرصة لتكوين علاقات جديدة ، وتقدير تلك التي نجحت في تخطي البعد الجغرافي بصورة أعمق، وإجراء جرد على شاكلة ماوصفه الشاعر الأمير خالد الفيصل :
أفِل محفوظ الحصيلة ..
وألمها
واستبعد التافه ..
وأضم المهما
قد لا يكون المُستبعد من علاقات “تافهاً” لكنه “غير قابل للصمود” ، فأمتن لما كان .. وأُسلِّم بانتهاء عمر العلاقة الظرفية المعتمدة على القرب المادي الفعلي لا المعنوي ، فليس مقدراً لكافة علاقاتنا الاجتماعية أن تدوم خلافاً لنظرتنا الطوباوية لما يجب أن يكون عليه نمط العلاقات.
لا يكتفي البعد وعدساته المكبرة بعلاقاتك بل يسلط الضوء على ذاتك فتقارن بين تلك الذات في بيئتك الاجتماعية ثم خارجها.
قد تكتشف نقاط قوة لم تدركها ، ومواقع ضعف لم تتخيلها.
ومع اتضاح الرؤية ..لا يجب أن يشعر المرء بتأنيب الضمير لتبدل نظرته للوطن والعلاقات ، فهو تبدل ناجم عن استكشاف حقائق لا انحسار عواطف، وعن سعة أفق لا ضيق روح.
إنها رحلة شيّقة لا زلت أغوص في محيطاتها بفضول غض لاستنباط المزيد من العبر والعظات.
والعتب ليس على “شارل ديغول” بل عليّ حين حمّلت مقولته أبعاداً لم يقصدها.
ختامها شعر :
وكنتُ إذا
فارقتُ إلفاً بكيته ..
بكاءَ عديٍّ
صِنوَهُ بالذَّنائِبِ.
فها أنا إنْ
أُشعِرتُ رحلة َ ظاعنٍ
تلقيته منها ..
بفرحة آيبِ.
للبلنسي