الخِبّ

“لستُ بالخِبّ، ولا الخِبّ يخدعني” مقولة للفاروق .. أحد العشرة المُبشّرين بالجنّة.. الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه.

الخِبُّ في اللغة هو الرجل الخدّاع.

وقد علّق العالم الجليل ابن قيم الجوزية على مقولة أمير المؤمنين رضي الله عنه : “كان عمر أعقل من أن يُخدَع، وأورع من أن يَخْدَع “.

وانطلاقاً من المشهد السياسي .. فوق الواقعي .. أو السريالي ، أطلقت عنان سوء الظنّ ليعبُر فيافي تلافيف العقل ، مستعرضاً سيناريوهاته القاتمة.

جلستُ مُسترخيةً كما في عروض الأزياء أراقب عبور الأفكار بملابسها السوداء الحالكة على ممر طولي يحفّه الحضور من الجانبين .

في نهاية العرض تقدَم سوء الظن ممسكاً بيد أبرز تصميماته الفاحمة على خلفية موسيقى جنائزية تشيّع فتات ديمواقراطية مات برلمانها كما في وصف محمود عباس العقاد :

مات ..

لم يدرُج.. ولم يلعب..

ولم يشهد الدنيا..

ولم يعرف أباه!

ديموقراطية منذ ولادتها وُضِعَت في الحاضنة الخاصة بالأطفال الخُدَّج ولم تخرج منها، رغم محاولات الشعب الحثيثة وتمسكه الجاد بحقه في المشاركة السياسية.

نجح الخِبُّ !!

ذلك الذي حفّز غثياناً جماعياً حين قَاءَ ما في نفسه من تضليل واختلاق وتلفيق .. مزجهما بشيء يسيرٍ من صدق آملاً بما وصفه ابن حزم :

“إذا مزجت الحق بالباطلِ

جوّزتَ ما شئت على الغافلِ”

لنترك الغافلين في غفلتهم المختارة ، والخِبّ في تناقضاته الغادرة ونتدبر حال “السُلطة”.

السلطة التي اختارت الخِبّ ومكّنته من الخروج بخطاب على القناة الرسمية للدولة ـ في سابقة شاذّة ـ لتنسب له ما لا يندرج تحت إمكاناته من فضل، يلوّح به أمام بعض السياسيين ، معيّرا إياهم وحاطاً من قدرهم ومشعلاً نزالاً لفظياً تكسرت به النصال على النصال.

السلطة التي عَفَتْ عن مواطن متهم بالإساءة للمملكة العربية السعودية ، ثم سمحت بصمتها المتعمّد لخِبّها بإدعاء عدم إمكانية التنازل عن حقوق دول أخرى .

السلطة التي تُستنفَر من أجل تغريدة أو مقال تعتبرهما مساساً بالذات الأميرية ، ثم تتعامى عن استخدام تلك الذات في معارك انتخابية هزلية.

السلطة التي هدّدتنا علناً بإجراءات “ثقيلة الوقع والحدث” ومنحتنا فرصة يتيمة في الانتخابات الأخيرة .

تلك السلطة التي تتمنى أن تتشبّه سياسياً بشقيقاتها القاطنات على ضفاف الخليج العربي.

السلطة التي انتفضت من رمادها كما العنقاء في الأساطير القديمة ، واتخذت إجراءات تصحيحية وسط هتافات تشجيعية من الطيبين الذين لم يكلفوا أنفسهم عناء توجيه أسئلة مستحقة .

ما الذي أخّرَ إيقاف العبث الانتخابي إن كانت خطوة التصويت بالبطاقة المدنية متاحة بهذا اليسر لكم ؟

ما الذي منعها من ملاحقة الفرعيات وشراء الأصوات طالما تمكنت الآن من ضبط بعضها ؟

كيف غَدَت ضبطيات مجرمي تجارة المخدرات بهذه الكثافة؟

ما الذي حال دون إنزال عقوبات مستحقة في قضايا الاعتداء على المال العام ؟

لماذا تمت تبرئة كبار المتنفذين وتحميل وزر القضية قلة يستحقون العقاب بالتأكيد لكن تجريمهم دون سواهم ليس عدلاً.

سيقول قائل .. أنها حكومة جديدة ، والرئيس أحمد النواف .. رجل صالح .. وهنا يقفز السؤال .. ما الذي منعهم طوال السنوات العجاف من اختياره أو من هو مثله ؟

ولو صرفنا النظر مرغمين عن تلك الأسئلة ، فبماذا نفسر الترويج لأن السلطة أنجزت في شهرين ما لم تنجزه في سنوات بسبب غياب البرلمان ؟

كما تذهب بعض الأصوات بمكرٍ لأبعد من ذلك بمباركة تعطيل البرلمان من أجل ذلك الإنجاز المتأخر .

سوء الظن يهمس في أذني التالي :

ان خِبَّهم لازال في جيب ثوبهم الأعلى ، ومهمته تعبيد الطريق بفذلكاته المعهودة للوصول إلى غايتهم بتعليق العمل البرلماني ، هذه المرة بمباركة الطيبين والغافلين البسطاء.

حين تغيب الثقة .. لا مانع من حضور الظنون المبنية على تراكمات من تجارب الكيد لديموقراطيتنا رقيقة البنية.

ولمن يقول: نتفاءل لأن لا بديل لنا عن الكويت أقول: إن عدم وجود بديل أجدر بأن يوقف طوفان تفاؤل عاطفي ، فإن كان البعض يملك ترف البدائل فالأحرى بمن لا يملكها أن يمحّص الحقائق جاهداً ويكشف الخلل لتجنب الأهوال قدر الإمكان.

يحق للجماهير أن تفرح بمخرجات انتخابات الأمس ، وقد أدّت دورها باختيار من ارتأته أهلاً لتمثيلها ، واستميحهم العذر بتعكير صفو مباهجهم بالتنبيه الصادم بأن السلطة كما عودتنا لها حساباتها وأدواتها ووسائلها ، لذا الحذر واجب، واليقظة مطلوبة، وعسى الله أن يبدد ظنوني ويبدلها بواقع نيّر وضاح.

ختامها شعر :

عطاءُ مثله ..

إن أعطاك .. منقصةٌ

فكيف إن كان

بعد الحرصِ حرمانُ

ثقْ بالذي

هو يعطي ذا ويمنع ذا

فكل يومٍ له

في خلقهِ شان

عروة بن أذينة

مقالات أخرى