قيادة الفكرة الولّادة

تخرج الأسيرة الفلسطينية الشابة المعذّبة في سجون احتلالِ همجيٍّ .. مختلٍّ .. ساديٍّ .. فتشكر المقاومة الفلسطينية ، وتمجدها وتصدح بأن فرحتها ممزوجة بالحزن بسبب دماء الشهداء ووجود أسيرات وأسرى آخرين في سجون الغاصب الملعون ، مع يقينها بأن إعادة اعتقالها واردة، وتعرضها وعائلتها لمزيد من التنكيل محتملة جداً على يد احتلال جائر .. دموي .. مدلل من قبل الأنظمة السياسية الغربية الغاشمة.

في بقعة جغرافية أخرى.. يخرج سجين رأي أو موقف سياسي من السجن .. فيشكر سجّانه، ويهجو رفاقه ،ويُبدي ندمه على زمنٍ تبنّى به قيماً ومبادئاً أغضبت سجّانه، وكأن تبنيه لقيمة ما يرفع من شأنها وتخليه عنها يزدريها.

ولعل المثال أعلاه متطرفٌ بعض الشيء، تجسّد في عدد قليل من السجناء في تلك البقعة الجغرافية .. إلا أن الموقف العام المتكرر هو شكر السجان لنظافة سريرته ،وتسامحه النبيل، وعفوه الكريم ، وهم بذلك يقرّون بأنهم ارتكبوا ذنباً يتطلّب الصفح ومن ثم الامتنان.

ويصح بهم بيت عبدالوهاب البياتي:

داروا مع الشمس ..

فانهارت عزائمهم

وعاد أولهم ..

ينعي على الثاني.

وتمثلاً بمعاني المثل الشعبي “الحيّ يحييك والميت يزيدك غبن” ، سأترك الأحياء الأموات لعاطفيتهم الساذجة ، وعزائمهم المهلهلة ، وحواضنهم الاجتماعية الرخوة وأركز على ما ينفع للاقتداء.

لم يبق كلام أعظم ليصف شموخ العزة والقوة والأنفة والكرامة والصبر والإيمان والتضحية في غزة فلسطين .. ولا ألمعية وشجاعة وإقدام وتفاني وأخلاق تُسبغ على المقاومة الفلسطينية.

إلا أن البقعة المُشرقة التي لم تأخذ حقها ولم توجّه إليها الأنظار بما يليق بها هي تجلّي .. “القيادة الجماعية الولاّدة” ..  وهو مفهوم يخالف “قيادة الفرد النجم” السائدة  ، ولعل هذا من أعظم نقاط القوة الفارقة لدى حماس.

فقتل قائدٍ فردٍ لا يترك فراغاً ولا يزعزع الفكرة وتوهجها لعدم ارتباطها به.

فاغتيال “الشيخ أحمد ياسين” عام ٢٠٠٤ وهو الأب الروحي للحركة وأحد مؤسسيها الثلاثة لم يُزعزع المقاومة، ولم يُضعفها .. فالعالم أجمع يشهد اليوم استكمال مسيرة .. “الفكرة”.

وفي تاريخنا الإسلامي العظيم مثال صارخ على بقاء “الإيمان بالإسلام” ..كفكرة ونهج حياة بقول الخليفة أبو بكر رضي الله عنه بعد وفاة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم:

“أما بعد،

فمَن كان منكم يعبد محمدًا، فإنَّ محمدًا قد مات، ومَن كان يعبد الله، فإنَّ الله حيٌّ لا يموت .. قال الله تعالى: وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ”

[آل عمران:144]

لقد قتل الصهاينة المجرمون قادة لامعين في حماس على مَرِّ السنوات ، أذكر منهم الشهداء :

عماد عقل ١٩٩٣،

يحيى عياش ١٩٩٦،

جمال سليم ٢٠٠١،

جمال منصور ٢٠٠١،

محمود أبو هنود ٢٠٠١،

صلاح شحادة ٢٠٠٢،

إسماعيل أبو شنب ٢٠٠٣،

عبدالعزيز الرنتيسي ٢٠٠٤،

عدنان الغول ٢٠٠٤،

سعيد صيام ٢٠٠٩،

أحمد الجعبري ٢٠١٢،

رائد العطار ٢٠١٤.

وفي كل مرة يستشهد أحد القادة ، يتنفس العدو المريض الصعداء واهماً بأنه هزم “الفكرة”، وينتفخ بغفلة حمقاء محتفياً بما يظنه نصراً وهو لا يعدو انتقاماً مؤقتاً لا يفيده.

ورغم كل الدلائل التي يراها بعينه لاستمرارية ..”المقاومة ـ الفكرة” ، ونموها ونضجها وتمددها وتنامى قوة حاضنتها الاجتماعية ، إلا أنه يُمنّي نفسه المتصاغرة بقتل ..”يحيى السنوار” .. فتخرج قيادات جيش الاحتلال بتصريحات جوفاء تَعِدُ وتتوّعد باغتيال “السنوار” على اعتباره القائد الأوحد ، إلا أن الحقيقة كما يصفها بيت عبيد بن العرندس:

من تَلْقَ منهم تَقُلْ:

لاقيتُ سيّدهم ..

مثل النجوم ..

التي يسري بها الساري

لم يفهموا الدرس لا لتراجع قواهم الذهنية بل لأن هذا الدرس يجعل هدفهم غير قابل للتحقيق ، فقتل شخص قد يكون ممكنا إلا أن قتل “فكرة” .. أقرب إلى المستحيل .

وها هي اليوم “الفكرة” تأخذ بعداً عالمياً بقيادة جماعية أيضاً ، لأن الحقيقة هي أنهم لا يمكنهم تحديد شخص أو أشخاص بعينهم ليقفوا أمام المدِّ العالمي العابر للقارات لدعم القضية الفلسطينية العادلة .

ولا زال الصهاينة يتخيلون أن إيقاع عقوبة على ممثلة أميركية باستخدام نفوذهم في هوليوود من شأنه تخفيف المد ، فيستبعدون فنانة من فيلم ما ، ويفسخون عقد وكالة لفنانة أخرى ، ثم يلاحقون الإعلاميين الغربيين ، فيطردون هذا من قناة ، وذاك من صحيفة ، وكل ما يجنونه في الواقع هو تحفيز لمن عاقبوهم على المزيد من الدعم للقضية الفلسطينية ، فإن كانوا يعاقبون الغربيين بهذا الشكل فكيف سيكون حالهم مع من يقع تحت سطوة جيشهم وعتادهم.

إنها حقبة فارقة في تاريخ البشرية ، العِبَرُ والدروسُ فيها أكبر من أن تُحصر ، ولعل الإيمان بـ “الهدف ـ الفكرة” .. سمِّها ما شئت .. و “القيادة الجماعية الولاّدة”  هما مبتغاي في هذا المقال تحديداً.

الإيمان الخالص بالفكرة دون حسابٍ لأثمان التشبث بها، والاستعداد لتضحيات خالصة دون محاولة “استغلالها” والاقتيات عليها ، وترسيخ قيادة جماعية وسط إنكارٍ نبيلٍ للذات لإعلاء “الفكرة” واستمرارها .

اللهم سدّد رميهم

وثبِّت أقدامهم

وأيّدهم بنصرك

وأعنهم ولا تعن عليهم

وأَنِرْ بصيرتنا لنتعظ مما كتبت لنا أن نشهده

ونقّ سرائرنا لنصلح عيوبنا عوضاً عن تبريرها

وأعنا على نفوسنا لنؤثِرَ عليها

وقِنا شح أنفسنا .. يا رب.

مقالات أخرى