الدَّين .. عَمَاةْ عين

يزخر موروثنا الشعبي بنقد الاقتراضالدَيْن عماة عين،لا هَم إلا هَم الدَيْن ولا وجع إلا وجع العين” .. في إدراك فطري سليم لتبعات الاقتراض ومثالبه، كما أن هذا الموروث يشجع الإنفاق المدروس من خلال مقولةمد رجولك على قد لحافك“.

ورغم هذا الموروث إلا أن السلوك العام الاستهلاكي في تزايد لعدة عوامل اجتماعية بالمجمل أكثر منها اقتصادية .. مع غيابٍ شامل لفكر الإدارة المالية على مستوى الفرد والأسرة .

فالكماليات اختلطت بالأساسيات إلى حد مُلفت زعزع الإنفاق الرشيد المرتبط بالإمكانات المادية.

كانت المرأة الكويتية في زمن رحلات التجارة البحرية مدبرة مالية من طراز فريد ، يُوكِل إليها رب الأسرة إدارتها فترة غيابه التي تمتد لشهور.. وبميزانية محددة .

ولعل هذا التدبير هو نتاجٍ لظروف المعيشة آنذاك ، وقد تلاشى مع الوفرة النفطية بتدرج حتى انتهى تماماً.

ومع حداثة العصر أصبح العموم يقتني برهن مدخول مستقبلي سواء من خلال الشراء بالتقسيط أو استخدام بطاقات الإئتمان التي تتيح لك السداد في وقت لاحق ،أو القروض.

مما أربك تقدير المرء لتدفقات دخله النقدية بشكل جسيم ليس في بلادنا فقط بل في العالم .

فالعموم يقتني ما لا يملك ثمنه اليوم مقابل رهن مداخيله المستقبلية ، فتتضخم في مخيلته تلك الإمكانات وتحيد عن الواقعية.

إلا أننا كمجتمع مشكلتنا أكثر تعقيداً ، فالفرد في مجتمعات أخرى إن عجز عن سداد قروضه يعلن إفلاسه ومن ثم تتولى جهة تحددها السلطات المختصة إدارة موارده التي أخفق في توجيهها وسداد قروضه المتعثرة ، كما يوجد لديهم تقييم إئتماني لكل عميل يتم على أساسه تحديد جاهزيته لاستلام قرض من عدمها.

أما لدينا فالعاجز عن السداد يختلط بأولئك غير الراغبين بالسداد والمقترض الحقيقي بالمقترض للتباهي بما لا يملك .. وتتعالى أصواتهم مجتمعين بطلب تدخل السلطة لإنقاذهم من أنفسهم.

يلفت انتباهي تكرار اتهام من يعارض اسقاط القروض بأنهمجرد حاسدتصاغ تلك التهمة بعدة طرق.

عزيزي المقترض .. الذي يتوهم بأنه محسود ، أنا حقيقة أشفق عليك.

أشفق عليك من النهج الطفولي الخالي من تحمل المسؤولية ، إنه نهج تدمير ذاتي لا يفيده إسقاط قرضك الحالي ، فستقترض مجدداً وتطلب إسقاط قروضك مرات ومرات .

فالمعضلة ليست في شح مواردك أمام متطلبات الحياة بل في سوء إدارتك لتلك الموارد ، والنزعة التفاخرية السطحية ، وربط قيمتك الذاتية بمظاهر الترف التي تحيط نفسك بها وإن كلفتك ديوناً طائلة.

كما أن فقدان المرونة المالية عامل مهم ، حيث أن تغير الظروف الاقتصادية لا يواكبها تغير في سلوك الإنفاق .

إن المرونة الحياتية مهارة فطرية يمكن تنميتها بالتدريب ، فكلنا تأقلمنا مع الحجر الصحي في جائحة كورونا وتقييد تحركاتنا . وهي مهارة بقاء ، إلا أن البعض لم يقرنها بمرونة مالية ، ولنا في تزاحم الجماهير على شراء الكماليات الفارهة بعد رفع الحجر نتيجة توفير قسري بسبب ظروف الإغلاق شاهد على ذلك.

ومن مشاهداتي لنماذج المرونة المالية لدى الإنجليز ، لاحظت أنه بمجرد ارتفاع أسعار الكهرباء والغاز ارتفعت مبيعاتالمقلاة الهوائيةبنسبة ثلاثة آلاف بالمئة ، كونها أحد وسائل تخفيض فاتورتيّ الكهرباء والغاز .

وهو مثال بسيط للتأقلم المالي العملي ، هذا وقد حدثتني إحدى السيدات أن ابنها الأعزب الثلاثيني ومع ارتفاع كلفة قرض العقار الذي ابتاعه بسبب رفع سعر الفائدة ، باع العقار وانتقل للعيش في منزلها لحين ترتيب سكن مؤجر مناسب له لأنه لن يتمكن من سداد قرضه بعد ارتفاع أسعار الفوائد.

ويصعب التطرق لإسقاط القروض دون تبيان إسهام السلطة في تفاقم المعضلة ، سواء بسوء الرقابة والتشريعات الخاصة بالاقتراض ، أو العبث بمقدرات الدولة بالمناقصات المشبوهة وشراء الولاءات الداخلية والخارجية ، ناهيك عن السرقات من موظفين في أعلى السلم الوظيفي التنفيذي .

حيث يبني البعض دفاعه عن اسقاط القروض بكثرة السرقات وتوزيع المنح على الدول والعطايا للمؤلفة قلوبهم سياسياً، وكأنه يقولإن طبع بومك دوس على ترّيچه“.

أما عن مقدرات البلد ، فرغم وفرتها الا أن تنظيم مناحي صرفها عشوائي وطائش.

فالبنية التحتية متهالكة والخدمات الصحية في تراجع مؤسف ، والمستوى التعليمي بانحدار شنيع.

وكل تلك المناحي لا يمكنك كمواطن سدها ، بل هي مسؤولية السلطة.

تلك السلطة التي ترغم البعض على الاقتراض للعلاج في الخارج أو في أحيان أكثر التوسل لمتنفذ لتسهيل قبول معاملة العلاج.

من أين نبدأ ؟ هل من ترشيد القرار المالي .. للسلطة أم للفرد ؟ قد لا تكون الإجابة سهلة ، كلا الطرفين يشجعان بعضهما البعض نحو المزيد من الرعونة .

ودور السياسيين ضئيل إن لم يكن مشبوهاً، فهذا يؤيد اسقاط القروض لكسب أصوات في انتخابات لا يعرف متى ستجري ، وآخر يعارضها لا لأسباب فنية بل خوفاً من صدام يقود لحل المجلس.

أيها المواطن الطامح للمشاركة في إدارة البلد سياسياً بشكل فاعل وحقيقي، وهذا حلم أشاركك به ، هلاّ بدأت بإثبات رجاحة إدارتك لميزانية منزلك الصغيرة ؟وتحملك لمسؤوليات قرارات اتخذتها بكامل أهليتك ؟

وختاماً يبقى الاقتصاد من المجالات التي يُفتي بها العامة دون اعتراف بأنه تخصص فريد له نظرياته التي لا يمكن تعلمها بالإطلاع العابرالبسيط، إنه مجال لا يُستحسَن أن يقتحمه بعض الفقهاء بتحريم اسقاط القروض ، ولا السياسيين ممن لم يجتازوا صفيّ مقدمة للاقتصاد الكلي والجزئي .

اسمعوا للاقتصاديين فهي قضية من صميم تخصصهم ولا مانع من مشاركة مُساندة للمتخصصين النفسيين لشرح الآثار الهدامة لسلوك الإنفاق غير الرشيد.

ختامها شعر :

قليل المال ..

تُصلِحُهُ فيبقى

ولا يبقى الكثير ..

مع الفساد ِ

المتلمس الضبعي

مقالات أخرى