مُهاجِر ابن مُهاجِر ابن مُهاجِر

اكتسبت خلال إقامتي الممتدة لعشر سنوات في بريطانيا عادة الاستماع لقصص الغرباء، وعندها يقفز إلى ذهني شطر بيت إمرؤ القيس:

“وكل غريبٍ للغريبِ نسيبُ”

حديثٌ يبدأ بسؤال يوجه إليّ:

ما الذي جاء بكِ إلى هذه البلد؟

فأردّ السؤال لمحدثي لأسمع منه ..

حكايات مفعمة بأمل البدايات وتوق البواكير ، إلا أنها مضمّخة بحسرة الاضطرار للرحيل.

يقول أحمد شوقي:

ألا ليت البلادَ

لها قلوبٌ كما للناسِ ..

تنفطرُ التياعا

حدثني بريطاني لبناني في الخامسة والأربعين من العمر يُقدِّم بعض الخدمات الكمالية عن قصته وعائلته وكيف انتهى بهم المقام في بريطانيا.

جدّه لأبيه فلسطيني نزح من مدينة الناصرة إلى لبنان قسراً بعد النكبة مع زوجته الحامل لتلد والده في حمّانا في محافظة جبل لبنان.

وُلِد محدّثي عام ١٩٧٩ في حمَّانا إبان الحرب الأهلية المفجعة، ولم يعرف في طفولته سوى أهوال الحرب.

قرر والده عام ١٩٨٧ الانتقال إلى اليونان ، وبما أن مطار بيروت كان مغلقاً آنذاك بسبب الحرب فقد اضطروا للسفر عن طريق البحر تهريباً بواسطة سماسرة الإتجار بأحلام البشر بالأمن.

قضوا في اليونان عاماً كاملاً ، يتذكرها كطفل بأنها جنّة تتشابه طبيعتها المناخية مع لبنان إلا أنها تخلوا من أزيز الرصاص ودوي الانفجارات، وبكلّ أسفٍ لم يوفّق والده بعمل يُطعم به أسرته فاتخذ قراره بالعودة إلى لبنان.

أعادوا الكرّة عام ١٩٨٩ عن طريق مراكب السماسرة إلى قبرص وتكرر المشهد بالنسبة للعائلة، فالصغار أحبوا الأمن بينما لم تتيسر سبل العيش للكبار.

عادوا إلى لبنان ولم تتوقف محاولات والدهم لبدء حياة في مكان آمن مستقر ، وبعد شقّ الأنفس ظَفَرَ بتأشيرة للإقامة في الولايات المتحدة الأمريكية.

لم يكن مطار بيروت مفتوحاً حينها فخاضوا تجربتهم الثالثة في البحر وصولاً إلى قبرص ومنها جواً إلى كوبنهاغن في الدانمارك كمحطة ترانزيت لبضعة ساعات تحملهم بعدها طائرة الأماني إلى أمريكا.

تفحّص موظف المطار الدانماركي جواز سفر والده والذي كان يضمّه هو وإخوته في ذات الجواز ، وألقى قنبلته عليهم:

التأشيرة الممنوحة لك لا تشمل الأطفال وعليه يمكنك السفر مع زوجتك التي تحمل جوازاً بتأشيرة ولكن دون أطفالكما!!

انتهى المطاف بهم لطلب لجوء إنساني في الدانمارك ، وتم قبول طلبهم، واستقروا لسنوات التحقوا خلالها بالمدارس الدنماركية ونالوا تعليمهم هناك ، دون أن يغيب عن أذهانهم أنها مستقر الصدفة ولم تكن غايتهم.

أما قصة نزوحهم التالي إلى بريطانيا فقد كانت شيّقة من جانب ومحبطة من آخر.

أحَبّ مُحدّثي الشاب ابنة خالته التي تعيش في بريطانيا ، فغادر محل إقامة عائلته في كوبنهاغن وسافر ليكون بقربها ، وكانت تبادله ذات المشاعر فتقدم لخطبتها ، فرفضه والدها المسيحي لأنه مسلم.

المفارقة .. أنّ والدتها .. خالته مسلمة ولم يمنع اختلاف الأديان حينها زواجها من مسيحي.

يُردف الشاب .. أنه دخل بحالة نفسية سيئة لأنه لم يخطر بباله أن يتم رفضه لسببٍ كهذا ، فقِدمت عائلته من الدانمارك لفضّ الاشتباك العائلي أو ربما لزيادته اشتعالاً حيث قررت والدته مواجهة أختها وزوجها.

يقول مازحاً .. أن أجواء المشاحنات بين الأقارب استهوت والدييّ على ما يبدو .. منحتهم شعوراً مألوفاً افتقدوه في الدانمارك ، فقرروا الاستقرار في بريطانيا .

ويُضيف .. مرت سبعة عشر سنة على تلك المشاحنات ولم أتزوج ابنة خالتي إلا أننا بسببها حطّ بنا الرحال هنا في بريطانيا.

هو مهاجر ابن مهاجر ابن مهاجر .. تعود جذور حكايته لتهجيرٍ قسريِّ مجرم ظالم لجدّه من فلسطين على يد عصابة صهيونية سفاحة.

يتوهم الغرب الداعم للصهاينة والراعي الرسمي لدوام الاضطرابات في بلاد العرب أن المهاجر العربي الصغير سيذوب في مجتمعاتهم ويتماهى في كينونتهم ويفقد ذاكرته وإرثه.

وهمٌ أبلهٌ أخرق ، فالمأساة تنتقل عبر الأجيال والقهر يورث الثأر وإن طال الزمن.

يحمل اليوم أبناء المهاجرين العرب والمسلمين في الغرب مشعل الحق، ويحرقون بلهيبه ثياب التناقضات البغيضة في الفكر الغربي السياسي على مستوى القادة والحكومات ، ويُعرّونهم أمام جماهيرٍ أفاقت مؤخراً لترى قُبْح قادتها وخداعهم ونفاقهم وتعطشهم للدماء ومعاداتهم لحرية التعبير التي تتجاوز المساحة المتفق عليها في الشأن السياسي.

يتبجّح القادة في مواجهة طوفان شباب الجامعات الغربية  ويَصِمونهم بأنهم سقيموا فهم ، وكأن لسان حال الشباب يردد مع أبو الفتح البستي:

فلا ترتب بفهمي ..

إن رقصي ..

على مقدار إيقاعِ الزمانِ

لقد دَوْزَنَتْ غزة كافة الإيقاعات الشعبية ، فانطلقت جماهير الغرب في لحنٍ موحد يرفض الرواية الخادعة ويهتف:

فلسطين حرة

أتضرّع إلى الله أن يجعلنا ممن يشهد تحرير فلسطين ، والذي سيتبعه تلقائياً تحرر الشعوب العربية من الاستبداد والقمع الذي تمدد واستفحل.

اللهم فرجاً عاجلاً لفلسطين يلحقه انفراجاً شاملاً للشعوب العربية.

ختامها شعر:

وإنْ شَنّ البُغَاةَ ..

عليكَ حَرباً ..

وأجْرَوا مِنْ دَمِ الأحرارِ ..

نهرا

فلا تحزنْ ..

فربُّك ذو انتقامٍ ..

سيصنَع مِنْ دَمِ الأبطال ..

نصرا

عبدالغفور عبدالله

مقالات أخرى