متلازمة عفيفة إسكندر

“الروح الرياضية” تعنى الاستمتاع بممارسة رياضة أو نشاط معين مع التحلي بالإنصاف والأخلاق واحترام المنافسين والقبول بالنتيجة أيّاً كانت برحابة صدر.

وقد رصدت بعد ظهور نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة تراجعاً حاداً في الروح الرياضية للمرشحين لا سيما أولئك الذين لم يحالفهم الحظ .

قلة من المرشحين قبلوا بأن الشارع آثر أن يعفيهم من الكرسي البرلماني في هذه الانتخابات ، وأن السقوط ليس نهاية المطاف .. بل فرصة لمراجعة الذات وتصحيح المسار ودراسة الوضع وتدبر الدروس وربما تلافي أخطاء حملتهم الانتخابية.

أما البقية .. فقد أرغوا وأزبدوا ، منهم من يشكك بنزاهة الانتخابات ، وهو تشكيك لا بأس به إن لم يكن دافعه تبرير الخسارة ، ومنهم من صاح معلناً عن مؤامرة ضده تسببت بتراجع حظوظه ضارباً عرض الحائط بشطر البيت الذي يقول :

يا محور الكون ..
إن الكون مشغولُ!

وللإنصاف ، فإن تلك الظاهرة ليست جديدة ، لكنها غدت مكثفة حالياً ، فقد سبقهم في ذلك النائب السابق حسين القلاف في انتخابات عام ٢٠٠٦ حين قال بعد خسارته جملة تناقلتها الصحف : “الموعد معكم على الصراط المستقيم يوم القيامة عند جدتي فاطمة الزهراء، والله يحاسبكم اللي حرقتوا قلوب المؤمنين والمؤمنات”

كما تصاعدت وتيرة التهديد “بالحوبة” أو “الكارما” بالمصطلح الحداثي ، وتنامي ما أسميته على سبيل المزح “بمتلازمة عفيفة إسكندر” في إشارة إلى أغنيتها الشهيرة :

أريد الله يبيّن حوبتي بيكم
أريد الله على الفرقا يجازيكم

إن العمل السياسي الفردي يعزز تلك الظاهرة ، فالمرشح يعتبر خسارته مرتبطة به فيأخذها على نحو شخصي، بخلاف لو كان المترشح من ضمن حزب سياسي تتوزع فيه مسئولية الخسارة على الحزب وبرنامجه الانتخابي وتوجهاته ومشاركاته وتصويتات ممثليه في المجالس السابقة. حينها لا يشعر المرشح بإن الإخفاق نصيبه وحده .

ويتسلل الشعور أعلاه للناخب الذي اختار مرشحاً لم ينجح أو كان يدعم سياسي لم يترشح ، فنراه يكفر بالديموقراطية ويتندر على اختيارات الشعب ويصل لقناعة عدم جدوى الانتخابات.

البيت المقابل لبيتي في محل إقامتي في بريطانيا يقطنه زوجان “سوزي وكلايڤ”  في العقد الثامن من العمر وكونهما يسكنان في منطقة ضمن مناطق دعم حزب المحافظين فهما من داعمي الحزب في كل انتخابات، إلا أنهما قررا ـ كما أبلغانا أنا وزوجي  ضمن أحاديثنا معهما – أنهما سيحجبان صوتهما بالانتخابات القادمة عن حزب المحافظين اعتراضاً على سياساته وسوء إدارته وتحديداً في جزئية الحرية الصحية وتقييد سفرهما خلال فترة تفشي وباء كورونا لأنهم اختارا عدم التطعيم.

لم يشر أيا من الزوجين لنائب المنطقة الممثل للحزب “دومينيك راب” بل كانت انتقاداتهما للحزب موجهة لرئيس الوزراء ورئيس الحزب آنذاك “بوريس جونسون”.
فالنائب يمثل “حزب “، والناخب يختار “حزب” حتى وإن وضع علامة على اسم محدد في ورقة الاقتراع في دائرته الانتخابية ، لذلك هو يحاسب حزب .. فتتلاشى الشخصنة .

وفي حال الجيران “سوزي وكلايف” فلربما يدعوان نائبنا لكوب من الشاي إن صادفاه كما صادفناه مراراً في مطاعم ومقاهي الحيّ وجواره.

أكبرت في الزوجين مرونتهما في الاختيار ، فلم يمنعهما التزامهما على مدى عقود بحزب المحافظين من اتخاذ قرار عدم التصويت للحزب في الانتخابات القادمة ، ترجمة لعدم رضاهما عن الأداء السياسي للحزب في جزئية تعني لهما الكثير، لأن ممارسة الحق السياسي بالانتخاب تعني مراجعة دائمة للاختيارات المتاحة.

وبعيداً عن مثال الجيران الإنجليز ، يجدر التآكيد هنا أن الناخب يعاقب المرشح الذي يسيء التصرف أخلاقياً أو لفظياً بالضغط على الحزب لطرده، وقد شهدت خلال سنواتي هنا حالات كثيرة لنواب تم طردهم من أحزابهم لسوء سلوك أو تصريح يفتقد للحصافة. تُعرض حكاياتهم على شاشات التلفاز والعناوين العريضة للصحف.

 

هلاّ تعلمنا جميعاً ناخبين ومرشحين مراجعة خياراتنا المتاحة بموضوعية ، ومقاومة الاصابة بـ ” متلازمة عفيفة إسكندر”؟

فالديمواقراطية تمنحنا ميزة التجديد والإثابة والتراجع ، وليست محل ميثالوجيا الحوبة والوعيد بالعقاب.

ختامها شعر :

ألا أنّ عقل المرء..
مرآةُ نفسهِ
يُريهِ من الأشياءِ ..
ما كان غائبا

أحمد بن يوسف

 

مقالات أخرى