السُلطة المُطلقة
مقولة لينين الشهيرة .. “لا حركة ثورية بدون نظرية ثورية” .. نالها من البحث والتحليل والتأييد والإنكار ما نالها.
وقد استشهدت بها كمدخلٍ لبيان مصدر فشل الحراك الشعبي الكويتي في محطات كثيرة ، وهي محاولة لبيان الرأي .. لا ادعاء امتلاكي للحقيقة الكاملة.
يبدو لي أن الخلل الأساسي هو في غياب “النظرية الثورية” والاستعاضة عنها بأهداف مرحلية مُرتبكة ، أثبتت أنها لا تحل معضلتنا السياسية.
إن لكلمة “ثورة” سُمعةٌ سيئةٌ في العقل الجمعي لدينا، حيث ترتبط بالعنف والدمار والفوضى، لكنها في السياق الذي أنشده تعبّر عن تغيير جذري للنظام السياسي دون عنف، ولنا في الثورة الصناعية مثال للاستخدام السلمي لكلمة “ثورة” أحدثت نقلة نوعية في الاقتصاد العالمي.
وبعد تحييد الأثر السلبي لكلمة “ثورة” ، وتثبيت تعريفها وربطه بالتغيير الجذري ، نجد أن الشعب عموماً لا يختلف حول ضرورة التغيير ، إلا أن الخلاف هو حول نوعية التغيير ، هل نطمح لتغيير شكلي أم تغيير جذري؟
لقد كانت لنا حصتنا من التغييرات الشكلية من خلال إزاحة أشخاص بعينهم ، مثلما حدث إبان حملة “إرحل ، نستحق الأفضل” التي أطاحت برئيس الوزراء الأسبق ناصر المحمد إثر شبهات مالية.
ثم استنساخها بطريقة أخفّ لتؤدي إلى رحيل جابر المبارك إثر إتهامات بشبهات مالية أيضاً.
وأخيراً حملة أشمل لرحيل الرئيسين ، رئيس الحكومة ورئيس المجلس والتي اختلفت في نمط تفعيلها باعتصام النواب في البرلمان.
ورغم وجاهة أهداف الحملات تلك ، إلا أننا تعلمنا بالتكرار أن إزاحة أشخاص ليست الحل الناجع.
كما علمتنا التجارب أن الانتصارات المحدودة لا تخلق التغيير الشامل المأمول.
فالتغيير الشكلي ـ مع انعدام جدواه ـ لا يحدث إلا بموافقة السلطة التي إن استجابت فإنها تقايض تلك الاستجابة بمنافع لها وتنازلات من القوى السياسية ، فينهال عليها الثناء من كل حدب وصوب ويزداد رصيدها ظاهرياً وكأنها ليست ركناً من أركان المعاناة السياسية.
أضف إلى ذلك أن المطالبات بمحاسبة الفاسدين ، أو استرداد الأموال المسروقة أو حل البرلمان وإعادة الانتخابات ، كل تلك الأهداف الجزئية الوجيهة تحمل بين ثناياها “فشلها” لأننا نُشرك لتحقيقها أجهزة الدولة على ترهلها وعوارها ، ونؤمن ضمنياً بقدرة تلك الأجهزة على ذلك كما نؤمن برغبة السلطة بتحقيق تلك الآمال والأهداف.
ومن خلال إشراك أجهزة الدولة فإننا نمنحها فرصة الالتفاف على مطالبنا وتسويفها وعرقلتها وإعادة صنع المشهد البائس من جديد .
ولنا في انتظار حكم المحكمة الدستورية المرتقب في يناير القادم قرينة على ذلك ،حكم قد يعيدنا لملهاة نقطة البداية.
نتجنّب التعرض لمنبع مآسينا السياسية في ظل القوانين المقيدة لحرية التعبير، إلا أنني سأستثمر مساحة الحرية لديّ كوني خارج البلاد ، وأشير صراحة إلى أن المنبع هو الصلاحيات المطلقة للحاكم أو من ينوب عنه كما في حالنا هذه الأيام ، فقد اكتسب منصب ولي العهد نفوذاً مغايراً لذلك الذي تمتع به ولي العهد السابق.
هذا وقد ترددت شائعات مفادها امتعاض رئيس الوزراء الحالي من تقييد صلاحيته، فمن يقيدها ؟ بالتأكيد هو ولي العهد ونائب الحاكم .
فالإشكالية اليوم أكثر وضوحاً بانضمام رئيس وزراء وابن حاكم لصفوف المتبرمين.
إذاً ، الأزمة أزمة شكل النظام والانفراد بالسلطة الذي كفله دستور النوايا الحسنة.
فيا حبذا لو وفرنا جهودنا ووجهناها نحو حل جذري متمثل في تغيير الدستور لنرفع حظوظ نجاح ثورة الإصلاح.
إنه دستور يمنح الحاكم أو من ينوب عنه بالتكليف سلطة مطلقة تفوق سلطات الدولة الثلاث.
للكاتب والمؤرخ والسياسي البريطاني اللورد جون ايميرش إدوارد دالبيرغ مقولة شهيرة هي :
Power tends to corrupt, and absolute power corrupts absolutely
والصيغة الرائجة بالعربية لترجمة المقولة هي :
“السلطة المطلقة ، مفسدة مطلقة“
أي أنه بتنامي السلطة والنفوذ ينخفض الحس القيمي الأخلاقي لصاحب تلك السلطة .
ولنا في الآية القرآنية الكريمة ” كَلَّا إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَىٰ” دليل على أن النِعم تغري الإنسان بالطغيان ، فما بالك إن كانت تلك النعمة سلطة على رقاب الناس بلا حدود.
فلو افترضنا جدلاً أنه وبمعجزة إدارية تم تنظيف وإصلاح السلطات الثلاث ، فإننا رغم ذلك سنبقى رهينة لمزاج الحاكم ورغباته التي تفوق السلطات مجتمعة.
ولنا في سلوك نائب الحاكم براهين ، من الخطابات المحملة بالتهديد ، إلى إملاء ما يمكن للنواب مناقشته من قضايا ، إلى استقبالات متكررة لمن رفضهم الرأي العام ، إلى تسويف ومماطلة بالاستجابة للمطالبات ، إلى إيهام الأطراف المتنازعة بإمكانية عودتها أو إقصائها في أي وقت بقرار منفرد منه.
هذا هو نهج الحكم الذي ترسّخ بدستور ٦٢ ومثالبه.
لم تنل فكرة تغيير الدستور شعبية وقبول حتى الآن لأسباب تتمحور حول الخوف من المجهول ، وارتياب فئات المجتمع ببعضها البعض، واضمحلال فضاءات التوافق.
مما يعني أننا سنستمر ـ بكل حسرة ـ في بذل جهود عبثية في مواقع ثانوية.
أما عن الخوف من المجهول فهو جزع من فقدان مزايا حالية ، يمكن عقلنته بالتفكير في استحالة دوام تلك المزايا على المدى المتوسط إن استمر الحال على ما هو عليه.
أما ارتياب فئات المجتمع بعضها ببعض ، فالفرصة قائمة لتناول منابع هذا الخوف الذي غذته السلطة على مدار عقود بزرع الفرقة والتمايز في التعامل .
إن أمنية العام الجديد بالنسبة لي ، هي ولادة نظرية ثورية محلية تجتث نواقص الدستور الحالي وتفتح لنا شبابيك آفاقٍ أرحب كما يليق بأولادنا، وكما رغب الآباء المؤسسون حينما وضعوا الدستور على أن تتم مراجعته نحو المزيد من المشاركة الشعبية.
وكل عام وأنتم بحرية أكبر وديموقراطية أرسخ .
ختامها شعر :
مضى قبلنا
قومٌ رجوا أن يقوِّموا
بلا تعبٍ عيشاً
فلم يتقوّمًا
ابن المعتز