الرضوخ للابتزاز

دفع العديد من السياسيين والنشطاء أثماناً نظير معارضتهم فرض الصوت الواحد من خلال مرسوم أميري، تراوحت بين ملاحقات سياسية، وأحكام سجن، واضطرار للهجرة وغيرها من صنوف التنكيل.

بديهياً حين يتضخم الثمن فذلك يعني أن الغاية أغلى وأعلى ، والمتوقع أن يتعزز التمسك بها عوضاً عن أن ينحسر .

فالسلطة مستعدة لأن تغامر باستخدام وسائل البطش لتحقيق غايتها ، فما مدى استعداد الجماهير للتصدي لتلك الغاية ؟

ولعل السيد عبدالله البرغش وعائلته دفعوا ثمناً استثنائياً بإسقاط جنسيتهم بشكل تعسفي ، وعانوا من الإعدام الاجتماعي بنقلهم من حالة المواطنة الكاملة إلى حالة انعدام الجنسية في تعدي شائن على المادة (١٥) من الميثاق العالمي لحقوق الإنسان والتي تنص على:

١- لكل فرد حق التمتع بجنسية ما.

٢- لا يجوز، تعسُّفًا، حرمانُ أيِّ شخص من جنسيته ولا من حقِّه في تغيير جنسيته.

ولقد ساءني وآلمني كغيري من الشعب أن تكون الجنسية أحد أدوات الابتزاز ومعاقبة المعارضين ، كما ساءني بالقدر ذاته الاستسلام لذلك الابتزاز من خلال دعوات لوقف المقاطعة والحث على المشاركة في انتخابات الصوت الواحد لتقليل الخسائر كما قيل آنذاك.

وفي تلك الأجواء الغارقة في لاعقلانيتها أواخر عام ٢٠١٦، وُجّهت رصاصات الحلفاء لكل من دعى للثبات حتى بلغ الأمر أن قال لي أحدهم ..”المقاطعة مو شاي ضحى”

وردّ آخر ..”أنا لا أناقش لا خبل ولا امرأة”

وقد كشفوا حينها عن حقيقتهم ـ وأشكرهم على ذلك ـ ثم ثبّتوا تلك الحقيقة بترشح المذكورين أعلاه في انتخابات الصوت الواحد وفق إطار “النفس القصير” والعجز عن الثبات على موقف.

إن وسيلتك الوحيدة يا سياسي لافشال اي ابتزاز هي عدم رضوخك له ، فالابتزاز لا ينجح سوى بالخضوع له ، ورغم بساطة الطرح هنا الا أنه يستعصي على البع لأسباب قد تكون موضع بحث لمتخصصي علم الاجتماع السياسي.

فما لا تقبل به الآن قد تقبل به اذا تم ابتزازك بسحب الجنسية على سبيل المثال لا الحصر .

وهنا لا أتكلم عن تغيير الموقف السياسي بناءً على قناعة يكون أولها الاعتراف بمجانبة الصواب سلفاً فذلك مشروع .

لكن ما حدث هو اعتبار كلا الموقفين صحيح ، الموقف وضده .

 

اسمحوا لي أن أذكر حادثة شهدتها خلال الأيام الماضية لسيدتين من أوكرانيا في لندن ..

تقول الأولى : لا يهمني أي علم سوف يرتفع في موطني ، سواء كان العلم روسياً أو أوكرانياً ، المهم لدي هو الأمان والسلام.

فردت الأخرى : وماذا عن الدماء التي سالت ، والتضحيات التي بذلت ، هل نقبل بعد كل ذلك أن نعود لكنف روسيا الديكتاتورية؟

عند هذا الحد توقف النقاش ببكاء السيدة التي ذكرت التضحيات وتوتر الأولى داعية السلام بأي ثمن .

وكما عرفت لاحقاً أنها كانت نهاية صداقة مغتربتين في ظرف الحرب.

كثيراً ما يظن الإنسان ان الاستسلام هو الحل الأسهل ، وقد يكون كذلك على المدى القريب ، إلا أن آثاره على المدى البعيد وصمة عار تمتد لأجيال قادمة .

 

وللربط بين السيد المحترم البرغش وحادثة السيدة الأوكرانية .. نجد أن الرضوخ للابتزاز والاستسلام مشترك وإن تباينت الظروف ، وتصفير التضحيات في الحالتين موجع وقاسي.

فالرضوخ للابتزاز موت لكنه موت معنوي لكل ما هو سامي ورفيع ونبيل من قيم.

 

الثبات مكلف ومتعب ويحتاج لصبر وإيمان بالقضية محل الثبات وما أن يتناقص الصبر ويتراجع الإيمان ـ ولا أعرف تحديداً أيهما يقود الآخر للتضعضع ـ حتى يتداعى كل شيء ، فكل ما تقوله اليوم قد تتراجع عنه تحت طائلة الضغوط ، وكل ما تتبناه اليوم قد تتبنى نقيضه أملاً في ظفر مؤقت ، إنها حالة عبثية تفقد البشرية لب قيمها أياً كانت تلك القيم .

يتفنن الورى في تبرير تناقضاتهم ولكل منا نصيبه الخاص من تلك التناقضات ، وكلما تضخمت تلك التناقضات كلما ازدادت براعة الحجج وفذلكة الذرائع . فالناس يدافعون عن خطئهم بأشد مما يدافعون عن صوابهم كما يقول أحد المفكرين .

 

لنتفكر يا سادة ! فتناقضاتنا الشخصية أمر خاص قد يعنينا ومحيطنا الصغير، لكن تناقضاتنا القيمية السياسية هي شأن عام يمس مستقبلنا ، وثقتنا في بعضنا البعض وقدرتنا على التحرك معاً في القضايا الكبرى.

لنحاول أن نتجرد في تقييم موقف سياسي معين دون أن تتدخل عاطفتنا تجاهه أو ارتباطنا الفئوي به.

لنتحلى بالشجاعة ونقول للسياسي لقد ناقضت موقفك ورميت تضحياتك ومرارتها عرض الحائط، لذا لن نصدقك ؟ وسيكون عليك مهمة استعادة ثقتنا من جديد ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن يكون تبني موقف ونقيضه لاحقاً صواباً في الحالتين.

هل تراجعت السلطة عن مرسوم الصوت الواحد ؟ هل صدر عنها اعتراف بمثالب الفرض ؟ هل بدر منها ما يشي بندم متعلق بالبطش السابق ؟

ان السعي لتحجيم التلاعب بالقيود الانتخابية تحرك محمود في بيئتنا بطبيعة الحال إلا أنه من المسلمات في الدول الأكثر رسوخاً في ديموقراطيتها .

فلماذا التهافت على القبول بالتنازل ؟ واعتبار التضحيات السالفة مجرد “ديون معدومة” في حسابات الأمة ؟

إنها مكاسب آنية ومساعي لحظوة فردية تحت مسميات تجميلية متنوعة .

 

ختامها شعر

إِذا ضَيَّعتَ ..

أَوَّلَ كُلِّ أَمرٍ

 

أَبَت أَعجازُهُ ..

إِلّا التِواءَ

 

عمرو الباهلي

مقالات أخرى