لتسقط السلطة على ظهرها
شعار .. “إلا الدستور” .. تغلغل في وجداننا وأدبياتنا السياسية لدرجة أضحى بها من المسلّمات التي يُستهجن نكرانها أو نقدها.
ولا زال أكبرُ السياسيين وأكثرهم خبرة يُقيمون الندوات للدفاع عن ذلك الدستور .
الأمر أشبه بلعبة “شدّ الحبل” ، يُمسك الشعب بطرف الحبل من جانب، والسلطة وأعوانها تُمسكه من الجانب المقابل.
نتمسك به كون السلطة تشدّه على الدوام من أيدينا، وكم نجحت في أكثر من مناسبة في تجريدنا من الأجزاء الأهم منه ، كلما انتزعت منه ـ الدستور ـ قطعة تشبثنا بما بقي منه بقوة أكبر.
ماذا لو تركنا الحبل فجأة؟؟!
ستسقط السلطة على ظهرها كما يحدث في لعبة “شد الحبل”.
ماذا لو قلنا للسلطة :
بعد أن أهدرنا السنوات مُتشبثين بدستورنا بكل جوارحنا .. قررنا أننا لا نريده بشكله الحالي!
ماذا لو اعترفنا بأن دستور النوايا الطيبة هو مبعث نوازلنا السياسية!
فهو الذي منح السلطة من خلال ثغرات ربما غير مقصودة قدراً هائلاً من النفوذ ومكّنها من البرلمان وقراراته.
وهو الذي اعتُبر في زمن صعب “هِبةٌ” من أمير كريم يملك ورثته التراجع عنها ..!
يقول قيس بن الملوح:
أَتاني هَواها ..
قَبلَ أَن أَعرِفِ الهَوى
فَصادَفَ قَلباً خالِياً ..
فَتَمَكَّنا.
وهذا حالنا مع الدستور الذي كان في زمن إقراره نقلة نوعية عظيمة في منطقتنا تحديداً، تلك المنطقة التي لم تعرف سوى الحكم العشائري ، فتمسكنا به دون أن نتنبأ بنقائصه.
أما الآن وبعد تراكم الخبرات عبر الأجيال .. فلقد ضاق علينا كما تضيق ملابس الأطفال عليهم بسبب نموهم الطبيعي.
نبدو مضحكين حقاً ونحن نتخذ من دستور ٦٢ لباساً لا يكاد يغطي أطرافنا المتنامية مع الزمن.
لذا آن الأوان لنقول لذلك الدستور :
خلاص من حُبّكم
يا زين عزّلنا
ما عاد لي في هواكم
شَفّ أو رادة .
ماذا لو تفكّرنا بعمق بمثالب الدستور ونقاط ضعفه والخلل الذي خلفه في مناخنا السياسي على مدى عقود من الزمن.
فالحاكم يختار رئيس السلطة التنفيذية .. الذي يختار بدوره وزراءه .. ثم يكون على النواب التعامل مع اختيار الأمير المطلق.
هذا ويشارك الفريق التنفيذي للسلطة في التصويت على قرارات البرلمان بمقدار الثلث مما يؤثر على النتائج.
ناهيك عن مشاركتهم في انتخاب رئيس البرلمان وسواه من مناصب ولجان.
وإن لم تعجب الحاكم نتائج الانتخابات أو لم يُبدِ النواب التعاون المنشود .. وهو هنا وفق مفهومه الاستسلام لما تريده السلطة فيمكنه أن يحل البرلمان.
وقد قال حاكم سابق .. لا يهمني ولو حلَلْت المجلس مئة مرة، في تعبير صريح عن احتقار الإرادة الشعبية.
كما أن الحاكم من خلال مرسوم أميري يمكنه إعادة تشكيل الوعاء الانتخابي كما يشاء بتوزيع الدوائر، وتقليص عدد الأصوات كما حدث في “نكبة” الصوت الواحد التي اختزلت الأصوات من أربعة إلى واحد بنفس عدد الدوائر .
وما حكم المحكمة الدستورية بصحة مرسوم الصوت الواحد إلا دليل على قصور في الدستور ذاته.
يتمسك البعض بدستور ٦٢ من منطلق المثل الشعبي “التجدّي ولا العمى”والتجدّى هو الإبصار الضعيف ، إلا أن طموحنا أكبر من التجدّى ولا يجب حصر خياراتنا بينه وبين العمى.
يعلّقون بعض مواد الدستور في ١٩٧٦ و ١٩٨٦ ، ثم يخرج علينا من يهدّدنا بالتعليق بين الفينة والأخرى فنرتعب ونرتعد ! لماذا كل هذا الهلع؟
ماذا لو بادرنا نحن بالتخلي عن هذا الدستور المنقوص وقدمنا دستورنا الجديد الذي يليق بأبنائنا ويحفظ حقوقهم ليبنوا مستقبلاً أرحب.
الوقت في صالحنا فالسلطة هرمة والشعب يافع. إذا ما أعددنا العدة سنظفر بدستور جديد يقوّم إعوجاج القديم ويصلح المائل في تجربتنا الديموقراطية ويتوّج الشعب مصدراً ـ حقيقياً ـ للسلطات.
ختامها شعر للدستور الجديد المرتقب:
وَيا طالِبي الدُستورِ ..
لا تَسكُنوا
وَلا تَبيتوا عَلى يَأسٍ
وَلا تَتَضَجَّروا
أَعِدّوا لَهُ ..
صَدرَ المَكانِ فَإِنَّني
أَراهُ عَلى أَبوابِكُم
يَتَخَطَّرُ
فَما ضاعَ حَقٌّ
لَم يَنَم عَنهُ أَهلُهُ
وَلا نالَهُ في العالَمينَ
مُقَصِّرُ.
حافظ إبراهيم