البراك والصبيح .. والتغيير والتطوير
كتب سعد البراك بتاريخ ١٢ سبتمبر ٢٠٢٣ في صفحته على برنامج تويتر الذي تغيّر اسمه لـ “X” قصة ذوبان وتلاشي شركة نوكيا ،والكلمة التي ألقاها الرئيس التنفيذي للشركة إبان استحواذ شركة ميكروسوفت عليها حيث قال:
“نحن لم نفعل أي شيء خاطيء، ولكن بطريقة ما خسرنا”
والدرس المستفاد منها.
“شركة نوكيا العملاقة :
إما أن تتغير لتتطور …
او ترفض ـ تجهل التغيير … فتندثر !!”
وأثنى عادل الصبيح الوزير السابق على تلك المقولة ودعمها في تغريدة على ذات البرنامج بقوله:
“هذا واقع الكويت ، إما أن نتغيّر جذرياً وفكرياً، و نتطور ، أو نقاوم التغيير فنندثر”
يقول المثل المصري الفكاهي “اللي ياخد المقصَد بسوء نية تلبسه جِنّية”
وقد قررت أن أسمح لجنيّات الجموح أن تطير بأفكاري في تفسير المقصد ، وأن تُحَمّل حقائب الأماني على ظهور جِمال المقصد.
التغيير ، كلمة حتمية ولعلها المفهوم الثابت على كوكبنا الأزرق.
كل من يقف بوجه طوفان التغيير يندثر، ولا تحميه سدود قوانين جائرة ولا جبال من أموال مجمعّة.
وعلى سبيل التغيير .. سأزعج فكرياً السيدين الفاضلين لنخرج معاً من منطقة الراحة أو “Comfort Zone”، ونحلِّق في سماوات الاحتمالات المُنيرة.
لقد شغل كلاهما منصب وزير في حكومات يرأسها في حال الصبيح المرحوم سعد العبدالله (منذ العام ١٩٩٦ إلى العام ٢٠٠٣)، وفي حال البراك ( منذ يونيو ٢٠٢٣) أحمد النواف .
ولو أردنا قياس التغيير الملموس خلال سبعة وعشرين عاماً بين قبول الصبيح للمنصب وقبول البراك ، سنجد تغييراً ضئيلاً شكلياً، ولربما كان باتجاهٍ سلبيٍّ.
فما هو التغيير المنشود؟
لعلنا قبل أن نتلمس طريقنا في دروب التغيير علينا أن نتفق على المعضلات أمام التغيير.
نحن أمام معضلتين سافرتين ..
الأولى .. هي شُحّ كوادر الأسرة .. والثانية .. هي صراع تلك الكوادر في طريقها إلى الحكم، واستخدام البرلمان ، واصطفافات نواب الأمة، وقضايا الشعب أسلحة في ذلك الصراع.
أما عن شُحّ الكوادر .. ولو أننا بدأنا منذ العام ٢٠٠٦ ..أي خلال سبعة عشر عاماً، وبتتابع كل من ناصر المحمد وجابر المبارك وصباح الخالد وأخيراً أحمد النواف على هذا المنصب، أضحى جليّاً وجود خلل بُنيوي في الأسرة ذاتها ، وما تعيين سفيرين منها في دول مهمة دون أدنى خبرة في المجال الدبلوماسي سوى إعلانٍ صريحٍ واعترافٍ بشُحّ كوادرهم على مستوى منصب سفير، ناهيك عن مستوى أعلى منصب تنفيذي في البلاد.
ربما في زمنٍ قديمٍ ، كان يكفيك أن تحمل اسم تلك الأسرة لتتبوأ منصباً، ولكن مع تبدّل الأحوال، وارتفاع مستوى الوعي العام ، ووجود منصات تواصل متنوعة كسرت جمود الإعلام الرسمي المقنن والموجّه، لم يعد ذلك كافياً على الإطلاق.
أما عن الصراع على الحكم ، فلو أن ذلك يتم من خلال مبارزة فردية بين المتنازعين تنتهي بانتصار أحدهم لقلنا: “يصطفلوا”، لكن تلك الحروب الشخصية المؤجّجة بشهوات الحكم تستخدم الشعب بنوابه ومطالباته ومقدراته كأسلحة ، يعيش فيها الشعب كرهينة لا تعلم متى سيتم إطلاق سراحها ، تارة يتم احتجاز فئة ، وتارة تُحتجز أخرى .
ماذا لو على سبيل التغيير بهدف التطوير ناقشنا الحلول التالية :
أولاً : أن يكون أعلى منصب تنفيذي في البلاد من خارج الأسرة بانتخاب الشعب وبأغلبية برلمانية ، وعليه تكون شرعيته مستمدة منهم، ويمكنهم محاسبته واستبداله ديموقراطياً.
ثانياً : الاستعجال بوضع آلية قانونية لتوارث الحكم ، فلا يكفي شرط ذرية مبارك مع تزايد أعدادها ، بل يتحتّم وضع كيفية تلقائية لانتقال الحكم ينظّمُها القانون لا تخضع للتنافس .. كما هو الحال في الأنظمة ذات المَلَكيات الدستورية.
وبذلك توفر الأسرة على نفسها انكشاف نقص كوادرها ، وتتجنب النقد .. والأهم أنها تتحاشى الصراعات التي تضعفها وتستنزفها ،ويحترق بها الشعب كأضرار جانبية أو كما يسميها الفرنجة “Collateral Damage”.
ويتولي الشعب مهمة اختيار رئيس حكومته متحملاً مسؤولية هذا الاختيار بالمراقبة والمحاسبة والاستبدال إن لزم.
ومن يدلل على عدم جاهزية الشعب لتلك النقلة بمخرجات الانتخابات ، عليه أن يراجع تغيّر تلك المخرجات بالتتابع ، فمن لا يرقى لطموح الناخبين يتم استبعاده في الانتخابات التالية دون آثار جانبية سياسية كتلك التي عانينا منها إثر استبدال رئيس منهم بآخر ، ولن يكون ثمن إزاحة رئيس من الشعب ، سنوات من انتقام ممنهج بلغ حد الاغتيالات المعنوية لعائلات بأكملها.
ماذا لو استبدل سعد البراك مثاله عن شركة نوكيا رغم ألمعيته ، بمثال أقرب سياسياً من شركة تكنولوجية؟ .. وماذا لو كان تأييد الصبيح له في هذا الاتجاه لضمان نجاة الفكرة من الوأد؟
العائلات المالكة الأوربية التي تحلّت بالمرونة وقبلت بالمُلك دون الحُكم بقت واستمرت ، وبقاؤها رمزية مهمة جامعة لكل المشارب السياسية التي تتصارع على إدارة بلدانها ، أما تلك التي رفضت فقد طواها النسيان وخسرت المُلك والحكم .
إنه مثالٌ أقرب لواقعنا ، لكنه يثير حفيظة من يرى في التغيير تهديداً مرعباً ، ويتشبث بالمثل الشعبي المتكاسل “اقضب مجنونك لا يجيك أجن منه” والذي يقابله بالإنجليزية .. “better the devil you know than the devil you don’t”
ختامها شعر :
إذا نظرتَ ..
إلى الجزئي تصلحه
فارقبه ..
من مَرقب الكليِّ في النَّظر
معروف الرصافي