فيصل المسلم…”البقا براسك”
تجبرنا الظروف السياسية الراهنة على استذكار البدايات التي غابت عن ذاكرة البعض، وتم تغييبها عمداً عن ذاكرة البعض الآخر.
إن العودة للبدايات تكفل لنا تأملاً أعمق، وفهماً أدق لما آلت إليه الأمور من تردي مفجع.
قام النائب الشجاع فيصل المسلِم عام ٢٠٠٩ بدوره المناط به كرقيب نزيه على عمل السلطة التنفيذية بفضح مصروفات رئيس مجلس الوزراء الأسبق ناصر المحمد الصباح، معتمداً في طرحه على تقرير ديوان المحاسبة، مشيراً إلى مصروفات بلا سند تصل إلى ١٥ مليون دينار .
عرج بعدها لكشف شراء الذمم وإفسادها بما عرف لاحقاً بقضية “شيكات الرئيس”.
أحد تلك الشيكات كان بمبلغ ٢٠٠ ألف دينار ، أشار إليه .. فطلب منه زميل له “بلاّس” عرض الشيك المذكور على البرلمان.
تردد الدكتور المسلِم في البداية بعرض الشيك ، إلا أنه ومع استمرار التشكيك في مصداقيته عرضه لتتناهشه الضباع، فمنهم من اعتبر إقدامه زلزلة للنظام المصرفي ، ومنهم من قلل من جريمة شراء الذمم بتعليق تافه هو “فلوسه وكيفه! ” وكأن إفساد رئيس وزراء دولة لضمائر أعضاء في مجلس الأمة أمرٌ خاص لا عام، ويخضع لمزاجه الشخصي.
هذا وتوعد محام ٍ وضيع للرئيس الأسبق باتخاذ الاجراءات القانونية ضد المسلِم ومن تتبّع حساب ناصر المحمد الشخصي.
وقد نفّذ المحامي وعيده وتمت جرجرة المُبلّغ عن الفساد قضائياً بلا خجل لحماية المُفسِد، في مشهد سريالي ينبذه العقل والضمير الحيّ.
هذا وقد امتنع رئيس الوزراء ووزرائه آنذاك عن حضور جلسات المجلس لحين نهاية المهلة المحددة لرفع الحصانة عن النائب المسلِم.
وتم الانتقام الرخيص من المسلِم في قضية أخرى هي قضية دخول المجلس ليُحْكم عليه بالسجن المتعسف الذي رفضه مُحقاًّ وفضّل عليه الغربة.
فالقوانين الجائرة التي يتم تطويعها بأحكام ٍ ظالمة للانتقام غير جديرة بالاحترام ناهيك عن الامتثال والتنفيذ.
لنعد للمشهد اليوم ! لقد تضخمت المبالغ التي تدفعها السلطة المفسدة لتطويع النفوس الرديئة ، فتضاعف المبلغ من ٢٠٠ ألف إلى مليوني دينار حسب ما تم تداوله، لتغيير موقف أحد الطالحين من حضور جلسة القسم بعد إعلانه عدم الحضور.
لقد تفاءل الطيبون من أبناء وطني بالقيادة الجديدة ، ولعله ما يطلق عليه “Wishful Thinking” ولم أشاركهم ذلك الأمل الكاذب ليقيني بأنّ الوجوه تتغير ولكن النهج ثابتٌ على سلطويته ومراوغته وتحيزه واستمرائه العبث.
لقد ظهر جلياً تحيّز القيادة في استقبال عدد معين من النواب لرفع الحرج عنهم إزاء مواقفهم المخجلة الجبانة.
وظهرت الصور في الإعلام وكأنها صك براءة لتلك الحفنة الضالة ، إلا أنها كانت إدانة جلية لمنظومة الحكم وعدائها للتوجه الشعبي.
حققت اليوم السلطة نصراً هزيلاً مشوّهاً تهريجياً بجلسة قسم أمام عدد ضئيل من النواب، اضطر بعضهم للاختباء مؤقتاً في مكان ما خوفاً من سخط أبناء عمومته ، فيما اضطر نائبان للاعتذار عن الحضور في موقف قوبل بالسخط والاستهجان.
أيُّ نصرٍ هذا بطعم الهزيمة لسلطة تمتلك كل الأدوات من مال ونفوذ وإعلام في وجه جماهير لا تملك من تلك الأدوات سوى ثباتها وعزمها وضمائرها.
لقد أحرق الحاكم الجديد رصيده الشعبي المُتخيّل، وانفجرت بالونة التفاؤل بدبوس التحيز السافر ، متجاهلاً الحتمية التاريخية التي تؤكد انتصار الشعوب في النهاية مهما طال الأمد وتعقّدت الظروف .
ها هو اليوم السياسي الرصين فيصل المسلِم يدفع ثمن موقفه الصلب إزاء الفساد في منفاه الاختياري، محروماً من توديع والدته الجليلة وإلقاء النظرة الأخيرة على وجهها الطاهر، وتقبيل جبينها الشامخ قبل أن يتم دفنها.
ها هو اليوم فيصل المسلِم يودع والدته الفاضلة “عن بُعد” مرغماً فتبكي معه قلوب أخيار القوم ونبلائهم.
طوبى لك أيها الكريم المقدام ، وعظم الله أجرك في فقيدتك ، وجمعك الله بها بعد عمر مديد سعيد بالعزة والحرية والأنَفَة في جنات النعيم.