ردّة سياسية

تعيش الكويت اليوم حالة مؤسفة من الردّة السياسية العامة، تشارك بها غالبية الأطراف على كافة المستويات الثقافية ، وسط حالة من الاحتفاء المضلل بذلك التقهقر.

لنعود قليلاً إلى الوراء لعام ٢٠١٢ حين قدم النائب مسلم البراك خطاب ( لن نسمح لك ) ، الذي وجهه لحاكم البلاد أمير الكويت ، ودفع ثمنه عامين خلف قضبان السجن.

تمحور خطاب ( لن نسمح لك ) حول فكرة رفض الحكم الفردي ، وتكريس المشاركة الشعبية في اتخاذ القرار ،

ولعلها المرة الأولى التي يواجه بها الشعب نمط الحاكم المتفرد بهذه القوة الجلية، وتلك الصراحة المبهرة .

خطاب صفق له الآلاف ممن حضروا ندوة ” كفى عبثاً” ، ثم ردده العديد من السياسيين والناشطين في موقف داعم جريء .

من المؤلم أنه بعد مرور ثمانية أعوام على خطاب رفع السقف نجد اليوم شخصيات سياسية وأكاديمية وتجمعات نخبوية تتسابق لتقديم نماذج توصيات لنائب الحاكم لما يجب أن تكون عليه أمور البلاد والعباد .

لقد غابت عن أذهان أصحاب النوايا الطيبة من مقدمي النماذج والتوصيات ومؤيديهم الملاحظات التالية:

•أليس من الغريب افتراض أن نائب الحاكم مغيّب تماماً عن حقائق المشهد السياسي؟ لا سيما بعد توليه مهام الحاكم الغائب ،ثم ظهوره بعد جملة من الأحداث السياسية ليؤكد عبر خطاب متلفز أنه سيستمر على خطى النهج السابق .

•إن الاستبشار بمقابلة الحاكم لمواطن أيا كان ، هو من قبيل تغذية الحس السلطوي النرجسي الذي يضخم مجرد السماح لمواطن بمقابلة الحاكم متجاهلاً حقيقة أن وظيفة الحاكم هي خدمة المواطن، وفي دول أخرى هذا المواطن يختار الحاكم ويغيره وفق عملية ديموقراطية حقيقية.

•إن تقديم تلك التوصيات لنائب الحاكم قبل عرضها على الشعب هو تكريس لتضاؤل أهمية الرأي الشعبي واقتصاره على تأييد أو رفض يتلو المقترح عوضاً عن المشاركة في عملية ذهنية جماعية لتنقيح وتفنيد المقترح.

•إن عدم التصريح بماهية الخطوة التالية لتقديم المقترح أو المناشدة هو إضافة ضبابية للمشهد الهلامي السياسي. ماذا لو تجاهل نائب الحاكم تلك الورقة ؟ وكيف سيفاضل بين الأوراق المقترحة من ثلاث جهات حتى الآن ؟ ماذا لو رفض ما احتوته تلك التوصيات ؟

•إن حُمّى تقديم المقترحات من القوى السياسية لا تعدو كونها تسابقاً في إثبات انتمائهم للإصلاحات المؤملة إن تمت ، والا لماذا لم يتم تقديمها لأخيه الحاكم الغائب؟

•إن التراشق المحموم ( مع وضد ) وثيقة تلك الجهة أو ذلك الشخص هو في حقيقته إلهاء عن واقع عودتنا كمجتمع للوراء سياسياً بتقديم مناشدات ، وشكر الحاكم الفرد على مجرد تكرمه باستلامها .

•لو عدنا بالذاكرة لخمسينيات القرن الماضي وبداية الستينيات لرأينا أن الحاكم آنذاك بادر بتقديم حلول سياسية عصرية في حينها ، تقلص صلاحيات أسرته إلى حد ما لكنها تضمن استمرارية حكمها، فلماذا لا نطلب المبادرة من نائب الحاكم بتقديم برنامجه السياسي للحكم إلى الشعب؟

إن التطور السياسي المأمول هو حكم الشعب للشعب كأفضل الحلول التي عرفتها البشرية لإدارة شؤونها السياسية رغم مثالبها .

ماذا لو استبدلنا تقديم اقتراحات خجولة لنائب الحاكم بمسودة دستور جديد يتلافى الإخفاقات التي شهدناها بدستور ٦٢ ؟ مع طرحه لاستفتاء شعبي قبل اقراره .

ماذا لو تزامن مع إعداد مقترح لدستور جديد طلبنا من أسرة الحكم إقناعنا مجدداً بجدوى تسلمهم للحكم للسنوات القادمة ، إذا تم الإقرار بأن الدستور الذي منحهم تلك الميزة لم يتم احترامه من قبلهم في بنوده ومواده الأخرى .

حين توظف شخص لمهمة بسيطة تنتظر منه أن يقنعك بجهوزيته وتأهله لتلك المهمة فما بالك إن كانت هذه الوظيفة هي حاكم البلاد؟

هلاّ غيرنا من نظرتنا التقديسية لذلك المنصب وركزنا على أنها وظيفة يجب أن يتولاها الطرف الأكثر جهوزية ، فالشعوب الحية تسعى دوماً للتقدم والمزيد من المكاسب الحقيقية .

مقالات أخرى