المربّع الأول

يصف البعض تراجع الحريات واستئناف الملاحقات السياسية بالعودة للمربع الأول ، فهل برحنا المربع الأول حتى نعود إليه؟

المناخ السياسي منكوب بفرط تشتت الانتباه، وصعوبة التركيز ، وقلة الصبر وحب العجلة وكما يقول بيت جرير الشاعر:

إِنّي لَآمُلُ ..

مِنكَ خَيراً عاجِلاً

وَالنَفسُ مولَعَةٌ ..

بِحُبِّ العاجِلِ

والخير العاجل ملغوم في السياسة ، والغلبة دوماً لذوى النفس الأطول.

لن أسأم من تذكير رفاق  البدايات في الحراك الشعبي أن هدف الحراك الأوحد لم يتحقق .. وهو تراجع السلطة عن فرض الصوت الواحد، ولأن الإنسان يُدافع عن خطئه أكثر من دفاعه عن صوابه فقد انبرت الأصوات تردد: لقد تم فك شيفرة الصوت الواحد وأصبح سياسيّونا يصلون حتى في الصوت الواحد، متجاهلين أنهم انهزموا انهزاماً سياسياً بالقبول به بعد مناهضة عارمة لسنوات لم تكن غايتها فك شيفرته وإنما هدم أساسه.

هذا .. وقد نجحت السلطة بجر الجموع لأهداف ثانوية مثل إسقاط أشخاص أو السعي لنيل العفو للبعض، وسمحت لهم بتحقيق انتصارات آنية لا تضيف للتطور السياسي المنشود ولكنها تخدِّر جوارحهم وتلهيهم عن هدفهم البعيد.

يتوهم البعض بإن إزاحة شخص متنفذ تعني رحابة في الأفق السياسي .. غافلين عن قدرة السلطة على صناعة بديل تمنحه ذات النفوذ لتحقيق ما تسعى إليه من تشويه للديموقراطية وتقليص للحريات السياسية، متعامين عن أن السلطة هي المصدر الأوحد للنفوذ السياسي وأن أولئك الأشخاص بلا دعمها ومباركتها هباء.

مسلسل سياسي ممل استهلك سنوات طويلة من عمر الشعب ومقدراته وحرياته ، ولا يزال بيننا من يشارك بهذا المسلسل دون قراءة متفحصة للنص ، وبلا فهم كامل لعقلية المُخْرِج ودوافعه، المُخْرِج الذي قد يمنح أحدهم مساحة بطولة مُقيّده ليقضي عليه في نهاية إحدى الحلقات.

جهود عبثية بُذِلت في الموقع الخاطيء، فكل المساعي للعفو كان نتاجها على المدى المتوسط صفري ، ولو تم تسخير الجهود لتغيير القوانين المقيدة لحرية الكلمة لعَمَّتِ الفائدة على الجميع.

أربعة عشر سنة تفصل ما بين القبض على خالد الفضالة عام ٢٠١٠ والقبض على مساعد القريفة عام ٢٠٢٤.

وبينهما ضحايا بالعشرات لقانون لم يتغير إلا للمزيد من التضييق والإمعان في التنكيل بتغليظه للعقوبات.

ولا تزال الجموع تتفاعل مع هؤلاء الشباب وتطلق مناشدات الحرية لهم ، وبالمقابل تتقاعس عن الضغط المستمر الفعال لحل المعضلة مما يجعل التضحيات تتبخر في مفارقة محزنة أليمة.

والحال يتكرر في التهجير القسري لأصحاب الكلمة ، حيث تتعالى الأصوات للعفو عنهم، وتتبدد السنوات بالتنازلات والمفاوضات العقيمة والمَنِّ اللئيم، لترجع مجموعة للوطن ويتوجّس أخرون من العودة خوفاً من استئناف التعسف.

يفرح الشعب بنجاح نواب بعينهم مُمَنّين أنفسهم بأن التغيير سيكون بسواعدهم، ساهين عن سيف “حل البرلمان المتكرر” المسلَط على رقاب النواب.

ذلك السيف الذي يتم التلويح به في حال لم تعجب المطالبات القيادة ، وكأن البرلمان في مخيلتهم المشوشة يجب أن يعكس تطلعات وآمال القيادة لا الشعب.

طالما هناك خوف جمعي متغلغل ترجمه الراحل أحمد الربعي بعبارة :

“الخلل في مكان آخر لا يمكن الإشارة إليه”

فلن نخطو للأمام ..

لم نبرح المربع الأول .. تمتد أضلاعه المتساوية بضعة سنتيمترات وتتناقص بضعة سنتيمترات أخرى ، إلا أننا ما نزال قابعين في مربعنا البائس الأول ، نفرح بالإفراج عن متهم رأي ، ونهلل لتخفيف العقوبة عن آخر ، ونحتفل بصدور عفو عن ثالث.

نبتهج لنجاح مرشحنا الأثير ، ونتوّعَد بإعادة انتخابه إن تم حل المجلس ، ونسعد بنجاحه مجدداً.

نفني أيامنا بفرح متخيل ينسينا قتامة حزن المشهد الحقيقي.

نجمّل انكساراتنا بمساحيق التبرير وكأن لسان حالنا مؤمن بالمثل الشعبي :

“لا طار طيرك قول سبيل”

فغدونا أبناء السبيل ، نقف على طرقات الوطن ننتظر الإحسان من السلطة بشيء من حقوقنا ، تارة بارتجال التهديد الفارغ من خطة عمل تصاعدية ، وتارة بكسب ود السلطة بالتمجيد والثناء علها ” تتشيّم”.

وإن اشتد الظلام وفرغت جعبتنا من المناورات الهزيلة رددنا بقنوط : ها قد عدنا للمربع الأول ، مع أن حقيقة الأمر أننا لم نبرحه يوماً .

لذا تبدو كلماتي مكررة ومعادة فالمشهد مكرر ومعاد ، ولا مخرج منه إلا بصحوة نتدارس بها إخفاقاتنا كجموع ناشطة سياسياً ، وقلة صبرنا ، و شح جلَدنا، وتهيبنا من تقديم تضحيات حقيقية غير قابلة للمساومة.

فالسلطة لن تتنازل أبداً عن نفوذها المطلق ومشروعها واضح وإن كرهناه ، بينما مشروعنا سرعان ما يتم التنازل عنه من قبلنا فقط لأن نَفَسَنا قصير ولأننا مولعون بحب العاجلِ مما يتنافى مع متطلبات النضال السياسي.

ختامها شعر :

ترجوا النجَاة ..

وَلم تسلك مسالكها

إِنّ السَّفِينَة ..

لَا تجْرِي على اليبسِ

أبو العتاهية

مقالات أخرى