ضَحَكْ بو سنتين .. وغَشَت أُمَه

عماكور طاح بالتنورهي لعبة شعبية يلعبها الأطفال ، حيث تًعصَب عيني أحد اللاعبين بعد أن تقع عليه القرعة ، ثم يحوم البقية من حوله مرددينعماكور طاح بالتنورويهربون منه ، وعلى المُختار أن يستدل عليهم من صيحاتهم حتى يمسك بأحدهم فيغدو الدور عليه.

وبحسبالموسوعة الكويتية المختصرةللمؤرخ الكويتي المرحوم  حمد السعيدان فاسم اللعبة مشتق من كلمتين هماعمامن عمى العين وكورأي رأي أو بصيرة.

وقد لفت انتباهي أن المعنى الأشملعمى بصيرة“.

حالنا كشعب يشبه وضععماكورالذي يقبل بتغطية عينيه لدوافع شتى تتراوح بين التفاؤل الساذج أو المواءمة السياسية الاستسلامية ، أواللعب لمجرد اللعب دون تفكير. فيقع فيالتنّورأي فرن يحرق كافة حقوقه السياسية والاقتصادية والصحية والتعليمية والاجتماعية.

يتعاملعماكورمع ما يظنه إنجازاً للسلطة كما في المثل النسائي الشعبي:

ضَحَكْ بو سنتين ..
وغَشَتْ أُمّه

فالرضيع يبدأ بالضحك حين يبلغ شهوره الأولى، وعليه فضحك الطفل بعمر عامين أمر طبيعي وليس بالمفاجأة السارة لإبداع قام به الوليد.

فلو قام مسؤول بفتح مخارج مرورية لمنطقة مزدحمة ، يصفق له الأنام مهللين مستبشرين بالمزيد من الإنجازات والرخاء ، متناسين أن لُبّالمعضلة هو سوء الإدارة وأن المشكلة الإدارية لا تُحَلّ بقرارات صغيرة مركزية ، تبرز كرد فعل على تذمر واسع.

لا يمكن لأي متابع  متوسط الذكاء أن يتجاوز إشارات استعار حرب سياسية محلية على النفوذ ، والحروب كما وصفها الفيلسوف والأديبالفرنسيبول فاليري“:

مجزرة تدور بين أناس لا يعرفون بعضهم البعض لحساب آخرين يعرفون بعضهم البعض ولا يقتلون بعضهم البعض.”

وإن كانت الحرب بلا دماء إلا أنها عملية استنزاف يفقد بها الشعب سنوات من عمره وحقوقه ومقدراته . يتطاحن بها من لا يعرفون بعضهمالبعض من الشعب فيسنُّون رماحهم ويشهروها بوجوه أخوة لهم في الوطن لا يعرفونهم ، فيُجرَح رهط وينزف آخر من العامة ، فيما يتصافحأولئكالآخرونالذين أشار إليهم .. “فاليري” ..وراء الأبواب المغلقة.

لا زلت عند رأيي بأن خطاب سمو ولي العهد الذي اعتبره معظم الناس تاريخياً كانملغوماًبذلك التهديد الذي يلاحقنا كنذير شؤم.

فكلما تعثّرت خطوة في طريق الديموقراطية الهشة، تعالت أصوات تذكِّرنا بذلك الوعيد، فنحاسب أنفسنا على ذنبٍ لم نرتكبه .

لقد اختار الشعب يوم ٢٩ سبتمبر ٢٠٢٢ ممثليه في البرلمان ، في انتخابات بنظام فُرض علينا، ثم أشرفت السلطة على الانتخابات بأذرعها التنفيذية والقضائية ، لذا فإن أي عوار طال تلك العملية هو خطأ من قبل السلطة ولا شأن فيه للمواطن الذي مارس حقه السياسي من خلال القناة المتاحة له ، وعليه فالعقاب لا يجوز أن يقع على كاهل المواطن .

وفيما تختار السلطة من وعاء أبنائها من توكل له مهمة رئاسة مجلس الوزراء كأهم منصب تنفيذي في البلاد، وتتجاوز الجماهير في البدايةاعتبارات السيرة الذاتية والخبرة من واقع مقولةالجود من الماجود، يجدر بالسلطة أن تتعامل بذات المقولة مع اختيارات الشعب عوضاً عنعنجهية .. “العين الحمراء” .. التي احتفت فيها إحدى الصحف في عنوانها الرئيسي بتاريخ ١٢ أكتوبر ٢٠٢٢.

يكثر الترحم على سياسيين بارزين أفضوا إلى ربهم ، ولعل كثير ممن يترحم عليهم اليوم كان يرجمهم بشتى صنوف القذع. فقد قيل ما قيلعن الدكتور أحمد الخطيب رحمه الله وتعرض المرحوم عبدالله النيباري لمحاولة اغتيال بسبب مواقفه . فلا تنخدعوا بتلك الأصوات المنافقة التياتهمتهم حين كانوا في قمة عطائهم السياسي باتهامات جسيمة ونالهم منها ما نالهم من التشكيك. يقارنون اليوم بينهم وبين السياسيين فيالساحة متجاهلين التراجع في الحالة العامة للمجتمع والسلطة.

عماكورنايجلد ذاته ويصم نفسه بسوء الاختيار بل قد ينزع عن عقله أحقيته في الحق السياسي مردداً ببلاهة :

الديموقراطية لا تصلح لنافي احتقار جلّي للذات.

السلطة في الجهة المقابلة تخلق من خلالفذلكاتمستشاريها الذين اختارتهم بمحض إدارتها مشاكل دستورية وقانونية وسياسيةواجتماعية.

فيتطاير غبار خيول الفرقاء وتعمى عيون مريديهم ويصاب الاستقرار بالكآبة ويعزم على حزم صرته ويلوّح مودعاً.

عندها قد تتدخل السلطة لثني الاستقرار عن الرحيل ،

ثم تطلب منا الشكر على حل المعضلة التي صنعتها بعد أن نغرق بأضرارها.

تتعسف في الانتقائية بتطبيق القانون في الانتخابات الفرعية المجرمة والتي تعامت عنها بحسب حالتها المزاجية إزاء مرتكبيها ثم تتوقعاستجداء عفو لهذا أو ذاك وتجلس بخيلائها منتظرة الثناء والإجلال إن عفت عنهم.

لذا أجدني في تلك الأجواء أدندن بكلمات أحمد شفيق كمال التي غناها العندليب عام ١٩٦٨

خلي السلاح صاحي

صاحي صاحي صاحي

لو نامت الدنيا

صحيت مع سلاحي

سلاحي فى ايديا

نهار وليل صاحي

ينادي يا ثوار

عدونا غدار

خلي السلاح السلاح

صاحي صاحي

والسلاح في مخيلتي ليس بمفهومه المادي ، بل سلاح تمحيص المشهد  ..سلاح الفطنة .. سلاح استباق الأحداث والاستعداد لأسوأالاحتمالات.

أسأل الله يلهم الشعب رشده وينير بصيرته ليحافظ على مكتسباته الدستورية ويطالب بالمزيد المستحق منها وسط تلك المجزرة التي هو ليسطرفاً فاعلاً فيها بل مجرد ضحيةوأن يناهض نهجعين السلطة الحمراءالتي عفى عليها الدهر.

ختامها شعر :

أَعمى يَقودُ بَصيراً ..

لا أَبا لَكُمُ

قَد ضَلَّ ..

مَن كانَتِ العُميانُ تَهديهِ

بشار بن برد

مقالات أخرى