مُهاجِرون أم مُشرّدون

نكرر على الدوام بأنالكويت بلد هجراتونستخدم هذه العبارة غالباً للرد على من يُعلي من شأن منبع هجرة فئة على أخرى ، أو من يُزايد في حيثية أسبقية الوصول لبلد الهجرات .. الكويت.

ما يغيب عن الفكر الجمعي غالباً أن آباءنا وأجدادنا هاجروا لأسباب متنوعة اقتصادية وسياسية واجتماعية ، إلا أنها كلها تشترك في تحسين جودة الحياة كهدف لتلك الهجرات.

فيما تُشير بعض الدراسات بأن تجارب الأسلاف تبقى محفوظة في بصمتنا الوراثية لما يقارب أربعة عشر جيلاً بحسب دراسة من مركز برشلونة لتنظيم الجينوم.

وإن كانت نتائج دراستهم تلك صحيحة فهذا يعني أن بداخل ذواتنا هذا التوق الموروث لجودة حياة أفضل.

جودة الحياة كمفهوم “Quality of Life” هي رضا الفرد عن مناحي الحياة في مكان ما ،أهمها ضمان الحرية ، ثم تليها  الخدمات الصحية ، التعليم ، الأمن ، الوظيفة، البيئة.

ولعل هذا التقديم هو مدخل لمناقشة طرح أخرق دارج أن من يعيش خارج بلده الأممشرّد” .. فحسب رأيهم نكون أحفاداً لمشرّدين تركوا مواطنهم في يوم ما واستقروا في الكويت وإن اختلفت أسبابهم حينذاك.

كما ترسّخ لدينا القول الشائعمن طلع من داره قَلْ مقدارهرغم أننا أحفاد أولئك الذين تركوا ديارهم وبنوا حياة جديدة لا أظن أن مقدارهم قد قلَّ فيها، فمقدار المرء يحمله داخله ولا علاقة للمكان به ، وهو مسؤول عن حفظه أينما وطأت قدماه.

في الشهور القليلة قبل انتقالنا للإقامة في بريطانيا ، صادف زوجي في مناسبة زواج وعند باب الخروج من ذلك الفندق الذي أُقيم فيه زميلاً سابقاً له في العمل ينحدر من إحدى الأُسر النجدية التي هاجرت في وقت متأخر نسبياً لأسباب اقتصادية ثم أنعم الله عليها بالخير والوفرة ،فبادره الزميل بالقول : يُشاع بأنك ستترك الكويت مع أسرتك ، فكيف تترك موطنك الكويت ؟

فردّ عليه زوجي قائلاً : ألم يترك والدك القصيم يوماً وهي موطنه!

بُهت الزميل واستدرك بلُطف بأن الوضع حينها كان مختلفاً.

يتفاوت تعريفنا للوطن ، ولعل تعريف المفكر أمين معلوف هو الأكثر اقناعاً بالنسبة لي حين كتب :

الوطن الذي بوسعك أن تعيش فيه مرفوع الرأس ، تعطيه كل ما لديك، وتضحي من أجله بالنفيس والغالي، حتى بحياتك ، أما الوطن الذي تضطر أن تعيش فيه مطأطئ الرأس ، فلا تعطيه شيئاً، سواء تعلق ذلك بالبلد الذي استقبلك أو ببلدك الأم.

فالنبل يستدعي العظمة، واللامبالاة تستدعي اللامبالاة، والازدراء يستدعي الازدراء.

ذلك هو ميثاق الأحرار ، ولا أعترف بأي ميثاق آخر“.

قد يكون تعريف معلوف مخالفاً لكل أهازيجنا المحلية على شاكلةهذي الكويت صلْ على النبي ..اهيا ديرتنا وفيها اللي نبي” .. إلا أنه مفهومٌ  يناسبني ، ولست بصدد إقناع القاريء بصحته ، كل ما أتمناه أن يتفهّم المحيط وجهة نظري وأن يحترمها بغض النظر عن تأييدها.

يُزعجني ترديد المُتعاطفين لجملةالله يفك عوقها، ومع إدراكي لحسن النوايا إلا أنهم يُسقطون مفاهيمهم الخاصة عليّ ، ويعكسون تفضيلاتهم وربما قدراتهم أيضاً .

اليوم .. بيتي في بريطانيا ، وحياتي بتفاصيل يومياتها في بريطانيا ، وحين أُسافر لقضاء إجازة أشتاق لبريطانيا.

في السنوات الأولى لاستقراري في بريطانيا كنت في زيارة لباريس عام ٢٠١٥ وسألتني يومئذ سيدة فرنسية :

?Where is home

جفلت .. واحترت وبعد مرور لحظات قلت :

ليت الإجابة سهلة فالسؤال بالنسبة لي في هذه المرحلة من حياتي هوسؤالٌ وجوديٌّ“.

فهل تقصدين بسؤالك أين هو مسكني ومدرسة ابني وطبيبي العام وعيادة أسناني والمكان الذي ندفع به ضرائبنا؟

إجابتي على هذا السؤال هي بريطانيا.

ابتسمت الفرنسية ورَنَتْ بعينيها الزرقاويتين لملامحي الشرق أوسطية وشعري الأسود ولون بشرتي ، استدركت وقالت :

هل وُلدتِ في بريطانيا؟

لا بل في لبنان

إذن أنتِ لبنانية

لا لست لبنانية

من أين أجدادك؟

الأمر يتعلق بهجرةٍ عمرها يزيد عن المئة عام حين هاجر جد أبي من شبه الجزيرة العربية

هاجر إلى أين ؟ انجلترا ؟

– لا .. بل إلى الكويت

إذن أنتِ كويتية

حتى هذه اللحظة ..نعم .. لكن في السنوات الأخيرة يمكن للسلطة أن تجرّدك من جنسيتك بمسوغات قانونية ، وعليه فهي جنسية مؤقتة بشكلٍ ما .

صمتت السيدة .. وربما ندمت على سؤالها العفوي الذي حسبته مدخلاً لفتح حوار عابر لا بوابة لمغارة وجودية .

اليوم وبعد مرور ثمان سنوات ونصف على انتقالي ، غدت إجابة السؤال أسهل وأبسط.

وأصبحتُ ممتنة وشاكرة للفرصة التي منحنا إياها الله سبحانه باختيار وطن بديل.

وطن مُختار قد لا يكون مثالياً لكنه يحقق جودة حياة أفضل.

وعلى درب الأسلاف سرنا ، بشجاعتهم التي قادتهم لاختيار طريق الهجرة الصعب بكل ما يمكن أن يفتحه من أبواب مبتكرة ، وما يمدّه من آفاق رحيبة ، عوضاً عن التمسك بالمسار المريح المألوف والتعلق برومانسيات مُتَخَيّلَة حول الوطن.

أكتب ذلك على هامش العفو الخاص الذي أُعلن عنه مؤخراً فانطلقت التبريكات للبعض ، والتكهنات بالأسماء، والتحفظ على أخرى.

وإن كان العفو الخاص يشرّع خيار العودة للوطن بمفهومه الشائع ، إلا أنه حلٌّ مؤقتٌ قد يخضع لمزاج السلطة بتغير من بيده السلطة .. ولايحمي لا العائدين ولا المواطنين من الاضطرار لهجرة أخرى.

ختامها شعر :

وَفي الأَرضِ ..

عَن دارِ المَذَلَّةِ مَذهَبٌ

وَكُلُّ بِلادٍ أَوطَنَت ..

كَبِلادي.

مالك بن الريب

مقالات أخرى