رحمة بتضحياتكم ..

“يعفو عنك أيضاً، من نوى بك استعمالاً أنفع له من الثأر”

أُنسي الحاجّ

يبدو أننا بحاجة لأن نذكّر أنفسنا بأساسيات تماهت وسط ضبابيات المشهد السياسي المنكود.

العفو في اللغة هو التجاوز عن الذنب، لذا لنعود لمناقشة ذلك الذنب إن وجد. أما التضحية في اللغة فهي البذل في سبيل قضية أو فكرة من أجل الآخرين دون مقابل.

 

إذا اتفقنا على التعريف اللغوي لتلك المعاني فلربما نتمكن من تمحيص الحالة التي نعيشها اليوم .

 

يا سادة ..يا مهجرون ..هل أذنبتم لتسعوا للعفو أو ترجونه؟ إن من يطرح فكرة “العفو الكريم” يتناسى أن العفو في النهاية إقرار بأنكم ارتكبتم ذنباً يستوجبه ذلك العفو سواء كان كريماً أو لئيماً لا فرق .

 

الواقع أن المهجرين في الغالب هم ضحايا ملاحقات سياسية انتقامية، وعليه ففي حالهم لا يصلح العفو بل يستوجب بدلا عنه تراجع الظالم عن خطأ معاقبتهم ، وتحقيق ما سعوا من أجله من غايات.

 

أما الخوض في التضحيات والتذكير المتكرر بها فإنه في البداية يسلبها نبلها القائم على إنكار الذات، ثم في نهايته يجعلها أشبه ببضاعة مساومة.

 

لماذا ضحيتم يا سادة يا مهجرون؟ .. ألم تكن تلك التضحيات بمجملها تدور في فلك إيقاف العبث بمقدرات الدولة كونها ثروة الشعب ، ومنع العبث بالنظام الانتخابي كونه وسيلة الشعب للمشاركة في القرار السياسي ؟ هل حققتم تلك الأهداف؟

هل ستسمحون بمزيد من العبث تحت ستار تضحياتكم ؟ كما حدث في كسر المقاطعة السياسية كموقف مناهض للعبث بالنظام الانتخابي ؟ لقد جربتم ذلك الطريق لاسترجاع بعض الجناسي فماذا كان الثمن الباهظ الذي دفعه الشعب من حقوقه السياسية ومقدراته منذ عام ٢٠١٦؟

 

ما قيمة التضحية إن تم استخدامها للابتزاز السياسي والتراجع في الحالة السياسية بالتوقف عن المحاسبة ؟ ألم يحصّن البعض رئيس الوزراء السابق القابع في سجنه وإن كان جناحاً في مستشفى؟

ألا يندى جبينكم حين تحاسبون أنفسكم على هذا الفعل؟ أم أنكم لا تراجعون مواقفكم للاستفادة والتعلم من الأخطاء.

 

قد يقول قائل: لقد تعبوا من الغربة ! وفي هذه الجزئية يمكنني بكل أريحية أن يكون لي رأي كأحد مكونات الأسرة التي انتقلت طوعاً للإقامة في بريطانيا في يونيو ٢٠١٤ تململاً من العنف السياسي آنذاك، وسنُكمل في يونيو القادم سبع سنوات في الغربة .

 

نعم، للغربة مرارتها الشديدة، وتحدياتها الشاقة، وكلفتها المادية العالية، وعزلتها الباردة، لكن للثبات عظمته، وللشموخ رفعته.

 

يقول المتنبي في بيته الشهير:

 

“إذا كانت النفوسُ كباراً

تعبت في مُرادِها الأجسام”

 

إن نفوسنا الكبار تشكر أجسادنا التي أنهكتها الغربة، وفي ذلك سمو وسؤدد يكفيها ويرويها ويسعدها.

 

الناس تختلف في قدراتها على التحمل، لذا من الأجدر لمن تمكّن منه التعب في المهجر، ونفذ مخزونه من الصبر أن يعترف بذلك، ويسلك طريق الاعتذار فالخسارة هنا “شخصية” ولا تعمُّ المجتمع بأسره.

 

أعزائي ..

لا تضيعوا تضحياتكم بمساومة زهيدة، ولا تحمّلوا الشعب والأجيال القادمة عبء تراجعكم السياسي كسداد لفاتورة تضحياتكم، فالأصل في التضحية أنها “شخصية” دفاعاً عن فكرة أو هدف دون مقابل ، وإن طلبتم المقابل فقد أصبحت تلك التضحية تجارة خاسرة.

 

لا يُعقل أن تضحوا من أجل وقف الانتهاكات، ثم تسمحوا بالمزيد منها من أجل العفو عنكم.

 

ماذا لو صدح المهجرون بصوت واحد :

لا نريد العفو! بل نريد تعديلات دستورية تجنِّب الكويت وشعبها مثالب دستور النوايا الحسنة؟

 

لا نريد العفو ! بل نريد محاسبة سراق المال العام، واستعادة المنهوب منها لخزينة الدولة.

 

لا نريد العفو! بل نريد تطهير القضاء الذي تم استخدامه كأداة لمعاقبة المعارضين المغضوب عليهم.

 

نعم أقسو عليكم قسوة المشفق الناصح لأنني منكم ـ وإن أنكرتم عليّ ذلك ـ فصديقك من صدقك.

 

توقفوا عن المطالبة بالعفو، واقطعوا الطريق على السلطة الظالمة باعتماد تلك المطالبة كورقة ابتزاز خبيث.

 

أرجوكم عودوا إلى رشدكم، واثبتوا واصبروا وتمسكوا بأهدافكم الأساسية التي تاهت في شطط المساومات.

مقالات أخرى