أركان الدولة

الدولة وفق التعريف السياسي هيمجموعة من الأفراد تقيم في منطقة جغرافية وتخضع لنظام سياسي متفق عليه

أي أن أركان الدولة ببساطة أرضرقعة جغرافية، شعب و نظام حاكم.

ومن البديهي أن المتغير الوحيد بين تلك الأركان هو النظام الحاكم ، وهو بخلاف ما يتصوره البسطاء بأن الحكم هو أكثر الأركان ثباتاً.

وعليه فالعامل المتغير هو الذي يتعرض لخطر الزوال وليس الشعب أو الأرض.

في الآية (١٤٠) من سورة آل عمران تأكيد على تلك الحقيقة:

﴿وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ﴾

ووفق تفسير ابن عثيمين : “أن هذه الأيام نداولها بين الناس، يعني نجعلها دولًا، تارة يُدال هذا على هذا، وتارة يدال هذا على ذاك

فلو تدبرنا في مثال الغزو العراقي الغادر لدولتنا الحبيبة نجد أن الأرض صمدت بطبيعة الحال، وجزء من الشعب لم يغادر موطنه، وأن التغيير طال النظام الحاكم فقط فتحولت إدارة البلاد من حكم إلى آخر، وكان رأي الشعب واضحاً صادحاً برفضه التعاون قطعياً مع النظام الحاكم الجديد المجرم.

ولو تفكّرنا في مثال من محيطنا نجد أن الدولة السعودية الثالثة تأسست بشكلها الحالي بعد سقوط الدولة السعودية الأولى والثانية، ولإن كانت الدولة السعودية الأولى قد سقطت بسبب القوى العثمانية آنذاك، فإن المؤرخين يُعْزون سقوط الدولة الثانية لخلافات نشبت بين أبناء فيصل بن تركي ابن مؤسس الدولة السعودية الثانية.

وما بين قيام الدولة السعودية الأولى عام ١٨١٨ والثالثة عام ١٩٠٢ حوالي أربعة وثمانين عاماً من الصراعات الداخلية والخارجية.

ما يمارسه النظام الحاكم في الكويت حالياً هو مغامرة خطيرة وقد تكون مميتة.

فهو يخاطر بثوابت استمراره المبنية على الثقة والرضا الشعبيين بالانجرار لعنجهية التفرد وفذلكات المراوغة مما قد يكسبه بعضاً من الزمن ،وإن امتد لسنوات إلا أنه يبقى قصيراً في عمر وتاريخ الشعوب.

يتمتع النظام الحاكم لدينا بميزاته مهملاً استحقاقاته وهي معادلة مستحيلة الصمود ، فلكل ميزة ثمن وعدم سداده يضاعفه.

في روايةثلاثية غرناطةللراحلة رضوى عاشور عبارة تقريرية تختصر مفهوم الثمن:

لكل شيء ثمن ، وكلما عزّ المراد ارتفع ثمنه

ولا أعز على النظام من استمراره وثباته ، إلا أن التهرب من دفع الثمن بالتحايل لا يمكن أن يحقق له ذلك على المدى المتوسط لا البعيد في حالتنا.

إن التلاعب بمشاعر الجماهير من خلال خطابات ديماغوجية دون تحمل مسؤولية تلك الكلمات يُعد استهتاراً سياسياً جسيماً، فكيف ستتلقى الجماهير أي خطاب مستقبلي إن كانت مصداقية الطرح محل شك؟

إن الامتعاض الشعبي اليوم من إدارة البلاد عابر للفئات العمرية والايدلوجية وتجاهله ضار ومكلف ، وقد لفت انتباهي تصاعد وتيرة نقد ولي العهد وتكرار مطالبته بالتنحي، وان كان بعض المطالبين يقيمون خارج البلاد فالمثير هو تصريح بعض ممن هم داخل البلاد بمثل هذا الطلب واحدهم من فئة عمرية عهدناها تتبع مدرسةالهون أبرك ما يكون ” .

إنها مطالبات غير مسبوقة فقد كانت مثيلاتها تقف عند رئيس الوزراء ولا تتخطاه ، والمدهش هو استخفاف القيادة بمثل تلك المطالبات عوضاً عن اعتبارها إنذار خطر .

يردد أنصار القيادة جمل على شاكلة : “من هو فلان ليطالب بتنحي الشيخ ؟ومن هي فلانة ليتم تداول مناشدة مذيلة باسمها الثلاثي تطالبه بالتنحي؟

ما يغيب عن هؤلاء أنهم مواطنون وهم جزء من الشعب الذي يُعد الركن الأهم من أركان الدولة ، وإن كانوا قد عبّروا عن رأيهم فلربما يتشجّع سواهم ممن يوافقهم الرأي في هذا الصدد، لا سيما مع وجود اتفاق ضمني على سوء إدارة البلد.

يراهن النظام على استسلام الشعب وتفككه، وغياب قيادة شعبية للعمل السياسي بعد أن تمت تصفيتهم المعنوية سواء بأحكام السجن في العهد السابق أو بالاستدراج في العهد الحالي.

كما يراهن على خوف الشعب 犀利士
=”s1″>من المجهول وربما تعلقه بالماديات كنتيجة لسنوات من التخريب المتعمد للذمم والقيم ، إلا أن ما يغيب عنه أن التغيير لا يحدث من كافة الشعب بل من مجموعة أفراد قد تظهر في ظرف وتوقيت لا يتخيله مع زوال الثقة وانعدام الرضا عن النظام الحاكم.

إن استمرار التخبط السياسي الحالي مُحال ، وستخرج مجموعة من الشعب لتناهض العبث بطريقة لائقة فاعلة طال الزمن أو قصر ، فتلك سنة الله جل وعلا في الأرض.

هذا ويلاحظ المتابع للشأن العام اكتمال عوامل التغيير السياسي في الكويت بدءاً بالرأي العام المتبرم المُحبَط ، مروراً بتجربة الحراك الشعبي الذي وإن خفت وهجه إلا أنه لم يندثر وطبع آثاره على السلوك العام من حيث ارتفاع حدة النقد وتزايد الإضرابات والاحتجاجات حتى وان كانت لمناهضة زيادة ساعات العمل، الا أنه تغير ملحوظ في السلوك  ناهيك عن عوامل تبدل موازين القوى داخل البلاد، والتغييرات الاقتصادية التي تركت آثارها سلبياً على جودة الحياة ، وأخيراً التحولات الإقليمية في التوازنات الدولية .

إن وجود عامل واحد من العوامل أعلاه من شأنه أن يوقد شعلة التغيير ، وتوفرها مجتمعة يجعل التغيير حتمي .

ومن المدهش أن الشعب اليوم هو من ينبه النظام الحاكم للأخطار المحيقة به ، بينما الأجدر به التيقظ ذاتياً إزاء ما يهدده لكنه يعيش حالة منالإنكار الكسول المتبلد الذي يؤجج المزيد من السخط.

وللمخلصين من أبناء الشعب المكلومين مما آلت إليه الأوضاع السياسية من اختلال فوضوي .. تذكروا بأن الأرض باقية بمشيئة الله ،والشعب المرتبط بأرضه باقٍ بحول الله وقوته ، ولا متغير سوى السلطة ، ففي ذلك بعض العزاء والكثير من الأمل بأن تجبر المعطيات السلطة على التغيير حين تدرك أنه وسيلتها الوحيدة للبقاء.

ختامها شعر :

قالوا الجديدُ ..

فقلتُ ليس جديدُنا

إلا مصائبنا ..

التي تتجدّد

أحمد الصافي النجفي

مقالات أخرى