العَيْنُ المَعْطُوبَة
كُتّابُ المقالات من ذوي الأقلام الرشيقة في الكويت ومنذ الثمانينيات من القرن المنصرم وحتى هذا اليوم لا يتجاوزون أصابع اليد الواحدة.
في صباي .. وقبل الذهاب إلى المدرسة كنت شديدة الحرص على قراءة مقالات الصفحة الأخيرة على مائدة الإفطار لكاتبين هما المرحوم محمد مساعد الصالح وفؤاد الهاشم، وإن كان الأول قد رحل عن دنيانا كما عهدناه ودون أن يخيّب لنا ظناً في موقف أو مقال ، فإن الثاني ترهّل قلمه ومواقفه على حد سواء.
ولعل هذه المقدمة كانت للحديث عن الثاني خلال أيام بريق يراعه وخفّة ظلّه وحذاقته في انتقاء المفردات ، وقد تم إيقافه عن الكتابة بعد مقال ذكر به أن ملكاً عربياً قد قال يوماً :
“أنا أفدي فلسطين بعيني ذي” مشيراً إلى عينه اليسرى .. “المعطوبة” والتي اختلفت الروايات حول سبب عطبها، فمن هذه الروايات ما أشار إلى الرمد، ومنها روايات أكثر إثارة لا يسع هذا المقال ولا النفوس التي ضاقت بحساسياتها المتضخمة لذكرها.
ومع أن القصة متداولة .. إلا أنني لا أجزم بدقتها ، لكن الإسقاط هو أن الغالبية من الحكام العرب يفدون فلسطين بالمعطوب والمهمل.
بيانٌ هنا .. واستنكارٌ هناك .. ومساعدات مالية يعرفون حق المعرفة أنها لن تذهب لدعم القضية فعلياً.
لذا ، ففلسطين كانت وستظل قضية الشعوب لا الحكام ، وليس الأمر مقتصراً على الشعوب العربية والإسلامية ، بل يمتد ليشمل الشعب الأيرلندي والكوبي والفنزويلي والتشيلي وغيرها من شعوبٍ حيّةٍ تستشعر مرارة الظلم واغتصاب الأرض وتزوير التاريخ.
وعليه فإن ”طوفان الأقصى” قد أشعل مصابيح الأمل في قلب كل تلك الشعوب ، وروى ظمأهم الطويل لمياه الثأر العذبة المستحقة، وأشبع جوعهم لمثال بطولي شجاع واقعي حقيقي أشبه بأساطير الأمم.
إنه طوفان فتح شبابيك استبشار وتيمّن بغدٍ ينتصرُ فيه الضعيف بقوة إيمانه وصموده وتضحياته وبسالته ، ويندحرُ فيه القويّ المتمرس خلف آلياته واستخباراته وحلفائه الكبار ظاهرياً الخاوين جوهرياً.
وقد استعدت من ذاكرتي وأنا أتابع الأخبار على شاشات التلفاز بيتاً للشاعر الفلسطيني تميم البرغوثي يقول :
نُحاصرُ
من أخٍ أو من عدوٍ
سَنَغْلِبُ وحدنا ..
وسيندمانِ
تحققت نبوءة الشاعر .. والنصر لهم وحدهم والندم والخزي لعدوهم ولمن خذلهم ، أما الفخر فمن الصعب أن لا يتسلل لجوارحنا كشعوب ، والعبرة ستترسخ في الوجدان الإنساني بعد أن يهمد غبار تشويه المشككين من فئتي الأخ والعدو الواردين في البيت أعلاه.
ونعود لمقال الهاشم الذي تم إيقافه عن الكتابة بسببه في ثمانينيات القرن المنصرم . . لنتساءل :
لماذا أثارت تلك الحكاية حفيظة البعض ؟
لا أجد تفسيراً سوى أنها تكشف الغطاء صراحةً وبوضوح عن توجه الأنظمة الحاكمة، بعيدا عن زيف البيانات المنمقة ، والاستنكارات الجوفاء.
في ذلك الزمن كان كشف الغطاء مخجلاً .. لذا استوجب التدخل ، أما اليوم فلم يعد الخجل عاملاً فعالاً ، وكل ما تخشاه الأنظمة أن الشجاعة مُعديةٌ ، وأن “طوفان الأقصى” غسل عن الأفئدة أدران عقودٍ من الانهزامية ، و نفض عنها اليأس . . وأعاد لها الإيمان بأن الشجاعة تصنع المعجزات ، ومدّها بزوادة من العزيمة قد تتجه يوماً لتصحيح الخلل الداخلي لديها.
انتصبت قاماتنا بعد يوم السبت ، وتطاولت ، واخضر العشب في أرواحنا ، لذا فلسان حال تلك الأنظمة منذ صباح يوم السبت السابع من أكتوبر لعام ٢٠٢٣ المحمود يردد شطر بيت المتنبي :
أرقٌ على أرقٍ ومثلي يأرقُ
لا نامت أعين الجبناء ، والعز والرفعة والنصر للمجاهدين ومن والاهم من الشعوب الحية.
ختامها شعر :
منتصب القامة ..
أمشي ..
مرفوع الهامة
أمشي ..
في كفِّي قصفة زيتونٍ
وعلى كتفي ..
نعشي
سميح القاسم