ثنائية .. العروبة والإسلام
كتب نزار قباني في قصيدة “هوامش على دفتر النكسة”:
“لقد لبسنا قشرة الحضارة .. والروح جاهلية “
لطالما استنكفتُ وَصْم العرب قبل الإسلام بالتخلف، وبناءً على الوصف القرآني “الجاهلية” الذي يشير إلى مرحلة ما قبل الإسلام فإن المقصود هو الجهل الديني للعرب وسواهم.
لقد كان للعرب بُنْية حضارية فريدة وقيم راسخة وأسس متينة لمجتمعاتهم.
لو نظرنا لمعجزات الرُسل عليهم السلام سنجد أنها معجزات بصرية ، كتحويل العصى إلى أفعى ،والسّيْر على الماءِ .. أو شفاء الأعمى والأبرص .. فيما كانت معجزة رسولنا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام هي معجزة لغوية تمثّلت في القرآن الكريم ، مما يعني أنها تستهدف قوماً متضلعين في التعبيرات اللغوية، لذا لم يتطلب إعجازهم وإبهارهم خوارق بصرية بل معجزة أدبية فكرية فضلاً عن الثوابت العقلية الأخرى.
لم تنزل رسالة الإسلام على العرب كقوم بدائيين .. البدائي يمكنك اقناعه بأي دين ، لكنها نزلت على قوم تميّزهم إمكاناتهم الذهنية ولاسيما اللغوية منها وفي هذا إنصاف لديننا الحنيف.
ولعل بيت حسان بن ثابت رضي الله عنه يختصر ذلك المفهوم بقوله:
وكنّا ملوكَ الناسِ ..
قبل محمدٍ
فلما أتى الإسلامُ ..
كان لنا الفضلُ.
وإنْ تبادَر إلى الذهن سؤال حول امتناع سادة قريش وحكمائها في البدايات عن قبول الإسلام كدين ، فلعل السبب هو انحياز إرادتهم التواقة للوجاهة والزعامة والخوف من فقدانهما.
لقد كرّم الإسلام العرب بحفظ لُغتهم وانتشارها كونها لغة القرآن الكريم ، وبتصحيح مثالبهم ،وتهذيب نفوسهم ،وإنهاء صراعاتهم القبلية وحروبهم الداخلية، وتوحيدهم تحت رايته كما في وصف الشاعر حمد بن خليفة بوشهاب:
فوحّدَ اللهُ ..
بالإسلامِ فُرقتهم ..
على يديهِ ..
وفي توحيدها العجبُ.
وإذ بتلك البطولات ..
التي جنحوا بها ..
إلى الشرِّ نحو الخير تنقلبُ
شكَّلتْ ثنائية العرب والإسلام قوة فارقة غيّرت وجه الكون على مدى قرون مزدهرة من العلم والاختراعات والبناء العمراني والأخلاقي، وفي بغداد ودمشق ومصر والأندلس شواهد تاريخية حاضرة على إرث تلك النهضة.
إن العروبة ـ من منظوري ـ ليست عرقاً، فالعربي اليوم هو كل ناطق باللغة العربية ، وقد احتوى الإسلام بلغته العربيّة كافة الأعراق والثقافات وعرّبها طوعاً بلغة القرآن، وأظهر تسامحاً غير مسبوق إزاء معتنقي المعتقدات التي سبقت الإسلام .
ولعل أوجه الشّبَهِ في بعض العبادات تؤكد أن الإسلام لم ينقض الموروث الديني والأخلاقي لما سبقه من ديانات سماوية وعقائد وثنيّة على إطلاقه ، بل شذّبه وهذّبه ونقّاه وأضاف إليه وكمّله.
يشعر الغرب المسيحي بعقدة نقص لا يُخفيها تجاه الإسلام ، لأنه لم يحقق تقدمه العلميّ والحضاري إلا حين فك أواصره مع الكنيسة .. مركز ديانته، في حين كانت المساجد بيوتاً لله ﷻ والعلم والمعرفة والفكر.
بَذَلَ الغرب جهداً حثيثاً في فك الرابطة الوثيقة بين العرب والإسلام .. وصوّر لهم بأن التقدم والمدنية يتعارضان مع الدين، واستنفر كل إمكاناته لتشويه الدين الإسلامي ،وفي سعيه المذموم لم يجرد المجتمعات العربية من قيم الإسلام فقط بل امتدت يده الخبيثة لقِيَمِ العرب حتى ما قبل الإسلام.
جاء طوفان الأقصى في السابع من أكتوبر ليرفع الغشاوة عن أعين المتفكرين في شتى بقاع الأرض ، فها هي حماس العربية ـ بالمفهوم الحقيقي لتعريف العروبة ـ والإسلامية تظهر ككاوية لحام تجمع العروبة بالإسلام مجدداً ليرى العالم بأسره عظمة تلك الثنائية.
فيما مُسُوخ العرب ممن فرغت أرواحهم من عزة الإسلام وكرامة العرب معاً، يتجرعون الهوان والذلة صاغرين أمام الغرب المُجحِف، متوشحين قشرة الحضارة بمبانٍ إسمنتية صماء، واحتفالاتٍ مستوردة لا تضيف للثقافة العربية ولا العالمية .. واستضافة بطولات مُسْتَنْسَخة مُتَكلّفة أملاً بنيل نظرة إعجاب من ذلك الغرب.
يقول النابغة الذبياني في بيته التصويري الشهير:
سَقَطَ النَصِيفُ ..
وَلَم تُرِد إِسقاطَهُ
فَتَناوَلَتهُ ..
وَاِتَّقَتنا بِاليَدِ.
النصيف هو خمار المرأة ، فيصور الشاعر في هذا البيت أن المرأة المعنية في بيته حين سقط خمارها ، غطت وجهها بيد فزعاً من أن تُعْرَف وتناولت خِمارها بالأخرى.
لقد سقط نصيف حكام العرب وحكام الغرب على حد سواء ، ولم يكلفوا أنفسهم عناء التقاطه ولا ستر قبح وجوههم .
فالعرب منهم أعرضوا عن أسس عروبتهم وإسلامهم ، والغربيون فضحوا أكاذيبهم الهزيلة الخاصة بسيادة القانون الدولي وحقوق الإنسان.
غدونا بين شرقٍ عاجزٍ مشلولٍ مشوّهِ ، وغربِ منافقٍ أفّاكٍ خرّاص، والغرب هنا تحديداً يتمثل بالولايات المتحدة الأمريكية وبريطانيا وفرنسا وألمانيا ، أما البقية فمنهم من تناغم مع فطرته الإنسانية السليمة واختار الانحياز للحق وإن بدى انحيازه خجولاً بسبب سطوة الدول المذكورة سلفاً.
حالة خواء عالمي يستشعرها كل لبيب.
عالمٌ متوحشٌ لا تقلّم أظفاره تعاليم دين ولا قوانين شكلية لحقوق إنسان تمت صياغتها بعد الحرب العالمية الثانية لضمان عدم تكرار البربرية الإنسانية، ففشلت فشلاً صاعقاً في اختبار “غزّة فلسطين”.
وسط هذا التَيْهِ العالمي ولأن ..
“الضدُّ يظهـر حسنه الضدُّ،
وبضدّها تتميّز الأشياءُ” كما يقول المتنبي ،برزت المقاومة الفلسطينية وحاضنتها الاجتماعية ، فأبهرت العدوّ قبل الصديق، وشغلت الدنيا تحليلاً وتمحيصاً وبحثاً عن سرّ الصمود والشجاعة والتضحية.
ومهما شطحت استنتاجاتهم فإنها ستعود حتماً لثنائية العروبة والإسلام.
تلك الثنائية التي انبلجت وتبدّت في الصمود والصبر والتضحية والشجاعة والإيثار والأنفة والثبات والرضا بالأقدار وإن قست ، ودفع الأثمان وإن غلت ، ثنائية لا تتجلى في الأبطال المجاهدين وحدهم ، بل بالأطباء والطواقم الطبية ، ومتطوعي الخدمات الميدانية ، والصحافيين ، وكبار السنّ والأولاد ، والنساء والصبايا والأطفال.
فالمجد لهم،
والعزُّ لهم ،
والنصر لهم ،
والسلام سيحل منهم وبهم بإذن الله.
سلامُ عدلٍ لا سلامُ جبنٍ، سلامُ حقٍّ لا سلامُ تنازل.
{وَاللَّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ}
سورة يوسف الآية (٢١)