بيّض الله .. وسوّد الله

استبد ملك المملكة المتحدة تشارلز الأول وبتشجيع من بعض وزارئه ومستشاريه، وناكف المعارضة التي كانت تدعوه لتوقيع وثيقة تضمن المزيد من الحقوق والحريات، وترسم حدود صلاحيات الملك وسلطاته.

هذا وتزايدت في تلك الأثناء حدة الصراع السياسي في البرلمان ، فقام البرلمان بحل نفسه.

شجعت تلك الخلافات الملك فلم يقم بالدعوة لانتخابات جديدة ، مما ترتب عليه تعطيل البرلمان منذ العام ١٦٢٩ حتى العام ١٦٤٠.

بعد تلك الحقبة هُزِم جيش الملك من قبل الجيش الأسكتلندي المناهض، فأعاد الملك البرلمان مرغماً ، سعياً وراء الالتفاف الشعبي حول شرعيته، وقد قوبل تنازله آنذاك بقسوة من بعض البرلمانيين نتيجة تراكمات السنوات الماضية فتم فرض شروط على الملك وإرغامه على اتخاذ قرارات مُذلّة أشعرته بالمهانة والمرارة.

قادت تلك الضغينة الملك تشارلز الأول لاقتحام البرلمان في يناير عام ١٦٤٢ ، للقبض على خمسة من البرلمانيين المثيرين للجدل حول صلاحياته ، وهو التصرف الأهوج  الذي أدى فيما بعد إلى نهاية الملكية بشكلها التقليدي .

أشعل الملك بتصرفاته البغضاء والمشاحنات إلى أن قامت حرب أهلية بين أنصاره والقوى البرلمانية الوطنية ، وقد كسب وقتاً إضافياً لا يتعدى ثلاثة أعوام قامت بعدها حرباً أهلية ثانية انتهت بانتصارأوليڤر كرومويلقائد 犀利士الثوار آنذاك، لتكون خاتمة الملك العنيد الأخرق سياسياً تشارلز الأول الإعدام بقطع رأسه علناً عام ١٦٤٩ وهو الحدث الذي لم يتوقعه العموم من الشعب.

بتلك الطريقة السوداوية اختُتم مؤقتاً الحكم الملكي في إنجلترا وأسكتلندا وأيرلندا وتحولت في العام ١٦٥٣ إلى جمهورية الكومنولث أو محمية الكومنولث.

عاد الحكم الملكي بعد وفاةأوليڤر كرومويلوإخفاق ابنه في إدارة البلاد ، لكنه عاد بصورة مختلفة، استفادت فيه الملكية من الدروس القاسية ، فترسخ الحكم للشعب مع احتفاظهم بالملكية حتى يومنا هذا.

أذكر تلك القصة للعبرة مع تزايد التبرم منالمشيخة التقليدية” .. بطريقتها البالية في كسب المزيد من الوقت  وعدم حل المعضلات الراهنة.

إنّ ما تتخيله المشيخة وقتاً مكتسباً من إبعاد الشعب عن المشاركة في إدارة الدولة هو في حقيقته حرق للمراحل وتعجيل في زعزعة حكمها .

وما تتخيله تذاكي في تفريق الشعب هو نصل تغرسه في دوام تلك المشيخة.

وما تتخيله نصراً في تبديد القوى السياسية الرصينة على الساحة هو ضياع لسلاح يقويها ويساندها .

وما تتخيله مهارة في إشغال الجماهير بالتفاهات هو خطر  على وجودهم كمشيخة قبل سواهم .

وما تتخيله قوة في فرض بعض أبنائهم في مناصب قيادية دون خبرة مسبقة هو تعرية لضحالة كوادرهم وقلتها.

وما تتخيله مناورة في إطلاق الوعود بمزايا مالية عشوائية هو وصفة لتبديد الثقة في النظام من ناحية ومدخل لمطالبات مالية أكبر .

إن كان سكان إنجلترا وأسكتلندا وإيرلندا قد ناهضوا الحكم الفردي المستبد في القرن السابع عشر بالثورة والحرب الأهلية ، فلا أظن أنه من الحصافة لأي حكم في القرن الواحد والعشرين أن يختبر صبر الشعب الذي قد يلجأ لوسائط سلمية ذات فعالية أكبر.

لقد حققت الملكية ذروة مجدها حين قبلت بالمُلك دون الحكم، فغدت الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس .

واستقر الشعب حين تمسك بالملكية كرمزية جامعة له تكفل الاستقرار والوحدة ، على أن يختار من يحكمه ويدير شؤونه فيحاسبه على تلك الإدارة ويسقطه ويبدله إن فشل .. وتبقى الملكية محصنة من نقد الأداء السياسي كونها لا تتدخل فيه مما يجنبها مقولتي .. “بيّض الله وسوّد الله” .

حيث يحكى أن شخصاً مرّ بقوم فقالوا له: بيّض الله وجهك ثم مرَّ بغيرهم فقالوا : سوَّد الله وجهك ، فسأله مرافقوه أي الفريقين نصدّق؟ فرد : كليهما وأردف : “كلن يعدّ اللي لقى من رفيقه“.

ختامها شعر :

الطِّيْبْ حيدٍ

دون دربه تسانيد

من هامها بالهون

لازم تضدّه

والقَصرْ وان شيِّد

على غير تجويد

تجيه صلفات الرياح

وتهدَّه

محمد السديري

مقالات أخرى