وقّر الناس .. تلقى لك وقار
كتبت الشاعرة الشابة “تيني ادواردز” والتي لاقت أشعارها رواجاً واستحساناً واسعاً:
“اعرف قيمتك ..
يجب أن تجد الشجاعة
لمغادرة الطاولة
إذا لم تجد عليها الاحترام“
وإن كان الاحترام كقيمة مُلّحة في شتى صنوف العلاقات الإنسانية ، فهي أوجب في حال علاقة السياسي لا سيما المرشح بناخبيه.
إن احترام المرشح للناخب يكون بالشفافية والالتزام بالوعود الانتخابية مع إبقائه على دراية تامة بما بُذِل من جهد في تحقيقها، وشرح العراقيل إن وجدت.
ويكون بتقليص التناقضات التي لا تخلو منها السياسة ، وإن ناقض المرشح موقفه بعد تحوله إلى نائب فعليه تقديم تفسير مقبول مقنع لقواعده الانتخابية.
واحترام الناخب يكون بانتقاء المفردات وعدم الانزلاق لألفاظ وقحة يمكن الاستعاضة عنها بالنقد المهذب وإن كان لاذعاً.
واحترام الناخب يكون بالتوضيح المستمر لأسباب اتخاذه لمواقفه بعيداً عن إيحاء “أنا أشوف اللي ما تشوفونه” أو “ما كل ما يعرف يقال“
هذا وبدى جلياً أن التصريحات التي تُحقّر الناخب وتحُطّ من قدراته الذهنية لا تلقى رواجاً إلا لدى فئة قليلة جداً تُعاني من انخفاض في تقدير الذات.
يقول الله عزّ وجل في سورة آل عمران:
“وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ“
قرأت يوماً “إن كُنتَ أذكى شخص في القاعة ، فأنت في القاعة الخطأ“
وهذا ينطبق على السياسي الذي يرى أن قدراته العقلية تفوق ناخبيه ، الحرّي به ابتداءاً أن لا يسعى لتمثيلهم.
إن سقوط أيقونة التحقير والاستعلاء دلالة على استهجان الجماهير لهذا النموذج ، منذ بداياته عندما أطلق عبارته القميئة:
“الكلاب من أبناء الكويت“
مروراً بوصفه لزميل له نائب في مجلس الأمة بأنه:
“نصف نائب”
وانتهاءاً بجملة:
“طز في البرلمان“
من لا يحترم الجماهير عليه أن يعتزلها ولا يفكر بتمثليها.
ولا يقتصر الاحترام المنشود على السياسيين بل يتعداهم للحكّام ، فإن لم يكن الاحترام متبادلاً فسيتلاشى بتلاشى النفوذ بالموت.
فمن أطلق على جزء من الشعب لقب “حفنة” ، ذلك اللقب الذي استخدمه المقبور صدام حسين في خطاباته ، رد له البعض هذا اللقب بتسمية عهده بـ “العهد البائد” وهو مصطلح يحاكي نمط المفردة التي انتقاها .
وغالباً .. من اعترض على تسمية ذلك العهد بالعهد البائد هم من تم منحهم ما لا يستحقون من نفوذ ومزايا.
أما حجة حرمة الأموات التي يعارضون بها تلك التسمية فإنها سطحية، لأنها تنسف مبدأ رواية وكتابة التاريخ التي تُمَحّص ما قام به الأموات، وتتناول شتى مناحي حياتهم ، و طرق إدارتهم وقراراتهم وشخصياتهم وحاشياتهم وما إلى ذلك من تفاصيل.
هذا وقد سبق “مرشد البذال” “تيني ادواردز” في إبراز أهمية الاحترام في بيتيه الشهيرين :
وقِّر الناس ..
تلقى لك وقار
وإن حَقَرتْ ..
احقِرت لو إنك أمير
حَقَّة الطيب تجيك ..
من الفقار
والردي يعطيك ..
كرسوع البعير
وبالمناسبة فإن كلمة “كرسوع” عربية فصيحة بحسب المعجم الوسيط وهي الكُرْسُوع : “طَرَفُ الزَّنْدِ الذي يلي الخُنصر، وهو الناتئ عندالرُّسْغ“
ولعل المَعْنِيّ في ذكر حالَتَيّ عدم الاحترام وردة الفعل عليها هو نائب الحاكم حالياً ، فالسياسي المقصود لقى حتفه سياسياً بطريقة تليق بمسيرته العوجاء ، والحاكم المذكور توفاه الله ولا يمكنه استخلاص العبر.
لذا على الحاكم الفعلي اليوم ترجمة الاحترام إلى أفعال.
احترام الشعب هو في احترام اختياراته دون تقييمها تحت مسمى اختيار حسن أو غير ذلك ، فمسألة حسن الاختيار تقديرية وما يراه شخص ما حَسَن قد يخالفه آخر فيه.
وبما أن السلطة ارتضت “شكلياً” الديمواقراطية فإن اختيار النواب هو حق خالص للشعب لا يجب أن يعقبه استحسان أو تقريع على هذا الاختيار، طالما لم تتم فيه مخالفة القانون .
احترام الشعب باحترام وقتهم والذي بتراكمه يشكّل أعمارهم ، وعدم إهدارها بحل وإبطال للبرلمان لأسباب إجرائية من جانب السلطة التنفيذية دون محاسبة المتسبب بالخطأ ، وكأن وقت الناس لا قيمة له.
احترام الشعب بالتوقف عن المناورات القديمة التي لم تعد تنطلي على الغالبية .. في إشغال العامة بسياسي مكروه لتشتيت انتباههم وجهودهم عن تقييم عمل السلطة.
احترام الشعب باحترام نوابهم وعدم وضع عراقيل تحد من ممارستهم لدورهم على الوجه الأكمل.
هل لدي نائب الحاكم متسع من الوقت للمراجعة والتصحيح؟
هل لديه المرونة الفكرية والسياسية ليقدم للشعب الاحترام اللائق؟
أسئلة ستجيب عليها الأيام القادمة ..
ختامها شعر :
البعضُ من جهلهِ ..
لا يعرفُ الأدبا
بذيءُ قولٍ، وذو فُحشٍ ..
إذا غضِبا
اغضبْ، ولكن بعقلٍ
لا بحُمقِ هوى
ولُمْ، وعاتِبْ،
ولكن بيَّن السببا
أبو الحسن الماوردي