بِچاچْ عَزِيزْ .. مُو بِچاچْ عزَيّز !
يُحكى أن فتاة كانت تحب شاباً اسمه “عزيز” وأنه ذهب للحرب ، وقد بلغها خبر مقتله ، وفي تلك الأثناء وقع صبيّ صغير يدعونه “عزيّز” .. تدليلاً .. من حائط تسلَّقَهُ بشقاوة.
فبكت الفتاة منادية : آه يا عزيّز .. عند مرور عجوز الحيّ بها .. فقالت : “بِچاچْ عَزِيزْ .. مُو بِچاچْ عزَيّز”.. أي إنك تبكين حبيبك “عزيز” وليس الطفل “عزيّز” ، فذهبت جملتها مقولة تطلق على من يُخفي سبب حزنه ويموهه.
الحكاية السابقة تحاكي واقع فئة غدت تتباكى على الدستور حالياً ، ويتعالى صراخها : “آه يا الدستور” ، في حين هي تبكي بحرقة .. حظوة انتهت، ونفوذ تبخّر ، ومعاملة استثنائية انقضت، ونفحات مالية انقطعت.
ليس مزعجاً أبداً تنطّعهم بالدستور ، بل قد يكون لربما بوادر صحوة لهم وإدراك بأنّ التمايز في تطبيق القانون إن خدمك اليوم فسيقهرك غداً لا محالة ، وأنّ المنافع غير المستحقة إن تيسّرت لك اليوم فقد تُسلب منك وتُمنَح لغيرك حين يتبدل الظرف.
وأنّ الباطل الذي تستحسنه لأنه يخدمك ، قد يكون بيد من لا يعجبك فيخدم سواك ويتركك لحسرتك.
وأنّ التعسف الذي يُمارس ضد من لا تحب فتهلل له مدفوعاً ببدائية التشفي ، قد يطولك فلا تجد لك ناصراً.
من كان يحرّض على تغريدات المعارضين في العهد السالف غدى ضحية للتحريض في العهد الحالي ، ولنا وقفة هنا لتبيان فداحة تغيّر المواقع دون تغيّر السلوك .
لا بد لنا كشعب أن نراجع دوافعنا ونشذبها فإن كنا نكره التحريض والدخول في النوايا فعلينا أن نهذب نفوسنا لترتدع عن السلوك التحريضي .
أتفهم مسوغات من وقع عليهم ظلم شديد ورغبتهم في إرغام من سقاهم من كأس المرّ على تذوقه ، لكن حتى متى ستتناقل الأيدي ذلك الكأس في سلسلة شقاء ومرار لا ينتهيان.
إن كان هناك قانون ظالم فالفطرة السليمة تميل لنظرية “القانون الطبيعي” التي تنص على أن القانون غير العادل ليس قانونًا فعليًا، فالظلم مخالف للقانون الطبيعي.
وعليه فمصلحتنا على المدى الأبعد تقتضي نسف القوانين الظالمة ، لا التمتع اللحظي بتطبيقها على مخالفينا.
إن الظلم وحشٌ أعمى ، وإن توهمت أنه لن يلتهمك في لحظة ما ، فعليك مراجعة ظنونك. وليس أنسب من أيامنا هذه في البلاد لتبيان انكشاف سهولة تحوّل المواقع بين المظلومين بين ليلة وضحاها.
تنظر السلطة للقانون وفق الفلسفة اليونانية القديمة بأنه “مشيئة السلطة” والأمثلة لا حصر لها حول تكييف القوانين وفق مزاج السلطة الذي يتحول بتغير من يعتلي قمتها.
لذا على الشعب أن يعي الخطورة المباشرة للقوانين الجائرة على حياته ومستقبل أبنائه.
وإن كان مجلس الأمة بتركيبته الحالية يضم كوادر جيدة قد تدعم توجه الحد من القوانين الجائرة مثل: عبدالكريم الكندري ،
عبدالله المضف،
مهلهل المضف ،
مهند الساير ،
ومحمد المطير بنسخته الحاضرة .. فالمجلس وحده لا يكفي.
إذا ما تفحصنا الجو العام في الستينات والسبعينات من القرن المنصرم ، سنجد أنّ جمعيات النفع العام ومؤسسات المجتمع المدني كانت تلعب دوراً حيوياً في نهضة المجتمع .
أذكر كأمثلة رابطة الأدباء ، جمعية الخريجين، جمعية الصحافيين ، جمعية المحامين ، الاتحاد الوطني لطلبة الكويت .
وها هي قد فقدت بريقها بعد أن تمّ تدجين معظم تلك المؤسسات وتطعيمها بالمخبرين والمنتفعين ، وتفريغها من أثرها المرجو.
كما وقد أصبح الاتحاد الوطني لطلبة الكويت مجرد حاضنة للإخوان المسلمين لتفريخ كوادر حركية ومشاريع قيادات مستقبلية للحركة الدستورية .
فيما تكيّفت بقية القوائم الطلابية في الجامعة مع التقهقر السياسي وامتلأت بالأمراض الاجتماعية.
إنّ إحياء تلك المؤسسات حاجة ملحة للتطور والنمو السياسي والثقافي والاجتماعي، وذلك عبر مشاركة الكوادر الجيدة في تلك الجمعيات والتنسيق للوصول لإدارة مجالسها بهدف إعادة إحياء دورها الحقيقي.
نعيش منذ عقود فراغاً موحشاً في الحالة السياسية جعل من البرلمان سلاحاً وحيداً لمواجهة اعوجاج بعض القوانين ، ومع الإقرار بأن البرلمان هو سلطتنا التشريعية إلا أن أفول روافد الرقابة المجتمعية بمؤسساتها يجعل المهمة أصعب وربما أخطر في حال حاد البرلمان ولزم تقويمه.
وبالعودة إلى تبدّل المواقع بين فئات المجتمع بين الرضا والسخط ، فإن القوانين المنصفة من شأنها أن تحمي الجميع وتحجّم استخدام القانون للتصفيات. وهذا ليس دور البرلمان منفرداً بل دور مؤسسات المجتمع المدني مع البرلمان ، حتى لا يستمر البكاء على عزيز أو عزيّز .
ختامها شعر :
أدْنى الفوارِسِ
مَن يُغِيرُ لمَغْنَمِ
فاجْعَلْ مُغَارَكَ
للمَكارِم تَكرُمِ
المعرّي