القوس والوتر

يقول معروف الرصافي:

إذا نظرتَ

إلى الجزئي تصلحه

فارقبه من مَرقب الكليِّ

في النَّظر

فإنَّ نَفْعَكَ

شخصًا واحدًا رُبَمَا

يكون منه ..

عموم الناس في الضرر

استذكرتُ البيتين أعلاه وأنا أُراقب ما يحدث على الساحة السياسية الكويتية هذه الأيام، واستعرضت في ذهني التناقضات الشنيعة في المواقف التي لا تنفك تمر أمامي كشريط سينمائي ..

ومن تلك المشاهد .. أن من أراد أن يرفع الظلم عن عائلة البرغش الكرام بإعادة جنسياتهم على أن يمرّ ذلك بوقف مقاطعة انتخابات الصوت الواحد، ومن ثم تحصين رئيس الوزراء ، يستهجن اليوم تخفيف معاناة عدد من المتقاعدين وليس كلهم بطبيعة الحال ـ فليس كل المتقاعدين يعيشون تحديات في أوضاعهم المعيشية ـ مقابل إضفاء شرعية على الانتهاكات الدستورية وكأن ما حصل في السابق ليس انتهاكاً ولا تنازلاً.

إن الموقف النزيه في نظري هو رفض الحالتين والترفع عن نفع فئة مقابل الإضرار بالجميع ..فآثار ذلك السلوك مدمرة، ولعل أقلها هو تلاشي الثقة وترسيخ الأنانية والنفعية الآنية.

ومن المشاهدات الصارخة بالتناقض أن من كان يشتم الحراك السابق بأقذع الشتائم وأفحش الذم، لا يجد غضاضة في التوقيع على بيان لدعم ما كانوا يطالبون به قبل عقد من الزمان ، دون تبيان لسبب التحوّل الجذري في مواقفهم، أو إبداء شيء من الندم على الأذى الذي تسببوا به.

لست ضد أن يعود المرء عن خطئه ويصحح مساره .. فإن ذلك من الاستقامة المحمودة ، لكن الرجوع عن الخطأ له استحقاقات أخلاقية تتضمن إظهار الأسف لمن انكووا بلهيب تدليسهم وبهتانهم.

لقد استمرأنا الشقلبات السياسية وسهلناها على الأفراد، وباتت لا تعدو ردود أفعال مزاجية موغلة في عاطفيتها، مما يستحضر بيتين آخرين للرصافي:

الحب والبغض

لا تأمن خِداعهما

فكم هما ..

أخذا قومًا على غرَر!

 

فالبغض يبدي

كُدورًا في الصفاءِ كما ..

أن المحبة

تُبدي الصفو في الكدر

 

لن نفكر بشكل قويم إن كانت مواقفنا المتشكلة مسبقاً غير موضوعية. والأمثلة في حصيلتي لا حصر لها ، فإن هاجر فلان أو هاجرت فلانة فهو أو هي هاربين ولا يستحقان المساندة والدعم، وإن هاجر علان أصبح بطلاً يشار له بالبنان.

إن كتب فلان من مهجره فهو مناضل، وإن كتب غيره ففعله لا يعدو استعراضاً لأننا ببساطة لا نكن له الود. يهاجر فلان فيصور البعض أنه يتمتع بنعيم الطبيعة الخلابة، بينما يهاجر علان فيقال أنه يحترق بجحيم الحنين، وأهله يتعذبون معه ! والهجرة واقعياً ليست بالجنة ولا الجحيم فكلا الوصفين متطرف فج.

يقول الفيلسوف أنسي الحاج : “إن الناس تُدافع عن خطئها بأكثر مما تدافع عن صوابها.”

مع مرور السنوات تيقنت من هذه الحقيقة المضرة ، مما يبعث في الحشى حسرات على فرص ضاعت ، وكلمات نصح لم تؤخذ على محمل الجد.

أُراقب الساحة السياسية الملتهبة في الكويت مع اعتصام النواب في البرلمان ، وقد شاهدت فيديو للنائب الكندري يقول من اعتصام النواب :إن كانت معهم السلطة فنحن معنا الشعب وسط تصفيق واستحسان الحضور.

غلبني الغم خشية إعادة المشاهد الأليمة الماضية ، وطافت في تلافيف العقل الأسئلة التالية :

ماذا لو لم تستجب السلطة لمطالبهم المستحقة ؟ وهذا هو المرجح .

هل يمتلكون تصور للخطوة القادمة ؟

هل سيوقفون الاعتصام كما حدث مع ايقاف المقاطعة ويحرجون من ساندهم من الجماهير ؟

هل المطلوب فعلياً من الجماهير دعم اعتصام النواب كحالة اعتراض سياسي؟

أم دعم ما يختار النواب سواء قرروا الاستمرار بالاعتصام أو وقفه.

هل ستستمر نزعة مساندة نائب معين سواء اعتصم او أنهى اعتصامه ، سواء قاطع انتخابات الصوت الواحد أو شارك ، سواء حصن الرئيس أو طالب بإزاحته ؟

 

يخيل إلىّ أن ما يربط بعض العامة بنوابهم أشبه بالزواج الكاثوليكي وعلى غرار المثل الشعبي ..

“قال : عورون قال: نشبون والنصارى ما يطلْقُون”

هل سيتم تبني مبدأ .. التعفف السياسي .. بشكل موسع؟

التعفف السياسي وفق منظوري أن لا نشارك بإضفاء شرعية على انتهاكات السلطة بالمجمل ، ولا نختار منها ما يناغم أهواءنا.

التعفف السياسي .. كما أفهمه لا يخص السياسي بل يشمل المواطن الذي قد ينبري للدفاع عن سياسي تم استقباح مواقفه فيثني عليه قائلاً لقد كان لهذا السياسي موقفاً شخصياً شهماً معي!

ما لنا والجمائل الشخصية؟

من يبحث عن الجمائل فإن السلطة أسهل وأقرب.

كيف تصح محاسبة السياسي إن أخفق؟ إن كنا في كل مرة سنجد من يقول لقد كان له فضلاً عليّ. إن الأفضال الشخصية لا تبنى بيئة عادلة للعموم وسيأتي يوم لن تجد من يتفضل عليك بحقك بعد أن فرّطت به.

إن تلك التساؤلات ليست من باب التثبيط .. إنما من باب الاستفادة من الدروس القاسية السابقة، وتحصين التحرك الحالي من الهوان.

ونعود للرصافي وذات القصيدة التي أوردت منها الأبيات المذكورة في مطلع المقال ، حيث يقول:

يا راجيَ الأمر

لم يطلب له سببًا ..

كيف الرماية عن قوس ٍ بلا وتر؟!

 

هل أعددنا أوتار أقواسنا ؟ سؤال يؤرقني .. أدعو الله أن يكون جوابه بالإيجاب فنحن أمام فرصة ذهبية إذا ما أحسنا الإعداد لها.

مقالات أخرى