أدوات الحاكم

يتمتع الحاكم في الكويت بسلطاتٍ مطلقةٍ وامتيازاتٍ خياليةٍ، لا يقابلها أي شكل من أشكال المحاسبة، فالدستور يصون ذاتهُ بشكل لا يتوافق مع مسؤولياته الجسيمة اللصيقة بنا كشعب والتي تحدد مستوى معيشتنا ،نمط اقتصادنا، جودة تعليمنا، مساحة حرياتنا، نزاهة محاكمنا وكل مناحي حياتنا.

حين يُخفق الحاكم في أمر ما تُلقي الجماهيرُ اللوم على ما درج تسميته بالبطانة، لذا يجتهد الشعب الطيّب بالدعاء للحاكم أن يرزقه الله ـ فوق مخصصاته السنوية البالغة خمسين مليون دينار كويتي ـ ببطانة صالحة ترشده!

المفارقة هنا تتلخص في شطر بيت المتنبي :

“شَبَهُ الشيء منجذبٌ إليهِ”

ألا يحق لنا أن نتساءل لماذا يحيط الحاكم نفسه بتلك البطانة التي تسببت لاحقًا بفساد قراراته؟ أليست اختيارات المرء قطعة من عقله؟

اعتدنا أن نبحث عن شخص نعلّق عليه إخفاقات الحاكم، إحباطاتنا السياسية، تداعي الأوضاع المعيشية، تراجع الحريات وغياب العدالة.

ونُسبِغ على ذلك الشخص نفوذاً مزعوماً مُتوهماً، ما كان له أن يمارسه لولا إرادة الحاكم باستخدامه كأداة.

نشارك في رسم صورة متخيلة عن خبثه، شروره، دهائه وإمكاناته.

نضخم صورته لا إرادياً لنهون هزائمنا من جهة ولنبريء المسؤول الحقيقي من جهة أخرى.

نخلق لأنفسنا عدواً نصب جام غضبنا عليه. نؤمل أنفسنا أن زواله هو الحل لوضع البلد البائس، متناسين أنه مجرد أداة، والواقع أن من منحه ذلك النفوذ قادر على أن يجرده منه فيعود مجرد شخص عادي، ليتم اختيار من هو على شاكلته ليقوم بالمهمة بدلاً منه بعد انتهاء صلاحيته.

ها قد شهدنا استخدام رئيس وزراء كأداة لتنفيذ صنوف البشاعات من سجنٍ وتهجيرٍ وسحب جناسي ، ثم تم التخلص منه جزئياً بإعفائه من المنصب ، ثم تحويله للقضاء وأخيراً حجزه احتياطياً في سابقة يعتبرها المتفائلون انتصاراً للعدالة فيما يراها المتعقلون تلميعاً مؤقتاً للنظام وامتصاصاً آنياً لامتعاضٍ خارجي قبل أن يكون محلي.

هو ذاته الرئيس ـ الأداة الذي أشاد بنظافة ثوبه الحاكم السابق وشهد له بنزاهته وتعاطف مع تحمله لمشاق العمل السياسي حتى اغرورقت عيناه بدموع الألم.

هو ذاته الذي مكنه “تفويض السلطات ” من القيام بما أدى اليوم إلى محاكمته.

أما منصب وزير الداخلية فقد تتابع عليه مؤخراً كل من الوزراء أحمد الحمود ، محمد الخالد ، خالد الجراح وأنس الصالح.

فتطابقت ممارساتهم المتوافقة مع رؤية النظام لدور هذه الوزارة، وعليه لم يحقق الشعب مكاسب جوهرية بتغيير الوجوه لأن الذي تغيّر هو الأداة وليس من صنعها.

لعلكم تذكرون وصف الحاكم السابق للوزير ـ الأداة بـ( ذراعه اليمنى) ومبالغة المهللين بالترحيب بالوصف وتحصين حامله. ها هي ذي الذراع اليمنى قد تم قطعها ورميها في السجن لتعيش بعدها ذكرى الراحل عيشة (الأجذمِ).

أما رئيس مجلس الأمة مرزوق الغانم (المصدّة) ـ باعترافه ـ فقد نفذ باعتزاز وفخر رغبات الحاكم بسوابق لم تعرفها المسيرة البرلمانية قط. ولعل ذكر تجاوزاته تكرار غير مستحب فالسواد الأعظم من الشعب يندد بتلك الممارسات يومياً . هذا وقد أفرغ منصبه الشرفي من رونقه فكان أول رئيس مجلس أمة يتم الاعتداء عليه بـ “طراق”! (صفعة قوية على الخدّ) في حادثة شغلت البلاد وتناقلتها وسائل الإعلام الخارجية.

كما أنه أول رئيس يوقع ثلاثون نائب على طلب عزله. وهو الأول أيضاً في عسكرة المنظومة البرلمانية في مشهد شائن، فالديموقراطية والعسكرة لا يلتقيان.

هو يحب أن يكون الأول ويتفاخر دوماً بمركزه الأول في دائرته الانتخابية وقد يعجبه أن يكون الأول بما أسلفت ذكره من أحداث ذكرتها كأمثلة لأن القائمة تطول ولا يسعها هذا المقال.

إن الأداة ـ المصدة يستقى نفوذه ويستقوى برضى الحاكم ، وعلى الرغم من أن التخلص منه مطلب وجيه إلا أن المعضلة أشد تعقيداً .

لقد رسم هذا المصدّ صورة لما يريده الحاكم ممن يتولى هذا المقام، لذا قد يسير على دربه الطامح لذلك الرضى.

حربنا الوهمية مع الأدوات استنزاف لجهود ثمينة يجدر استثمارها لإيجاد مخرج نهائي حاسم من “دردور” مصائبنا السياسية.

لننقذ أنفسنا وبلادنا من الغرق بمواجهة ذواتنا صراحة بمكمن الداء.

لا حل فعلي سوى بتطوير النظام بما يتناسب ومتطلبات الدولة الحديثة، فالتطور يحمي من الاندثار، والتغيير هو الحقيقة الوحيدة الثابتة في هذا الكون.

آن الأوان لأن نفكر جماعياً بماهية النظام المأمول الذي ينقلنا لمستقبل أكثر وهجاً وديناميكية وعدلا وحرية، مستقبل تعود فيه السلطة للشعب مصدر السلطات جميعاً.

مستقبل يكون فيه منصب الحاكم “شرفياً ” يضمن له مقاماً رفيعاً وذاتاً مصونة بجدارة، وهيبة لا تُمَسّ بالإنخراط بالمماحكات السياسية وتمنحه اختيارات بروتوكولية لرئيس السلطة التنفيذية، وينأى به عن استخدام الأدوات بطريقة باتت مكشوفة تضر بما لا يقبل الشك ليس بالحالة السياسية العامة فقط، بل بهيبة مقام الحاكم التي لا تتحقق إلا بالترفع والحيادية.

ختامها بيت :

خلائقٌ كظلامِ الليلِ مَن يَرَها

يَقُل بأمثالِ هذي تمسخُ الأممُ

الرصافي

مقالات أخرى