“جِدْلَهْ” و “أُمّ فتيْخَهْ”

لأنني أعشق الحكايات .. فإن ما أسمعه منها يتمَوْضَع في مكانٍ قصيّ في حجرات الذاكرة حتى تبرز حاجة لاستدعائها.

مما مرّ على مسامعي أن امرأة اسمهاأُمّ فتيْخَهْكانت تعصُبُ رأسها وتزين وجهها بالوشوم، أو ما درج على تسميته بالعاميةدقّاتْ،تمُرُّ على بيوت الميسورين في أحياء جبلة القديمة لتعرض خدماتها في قراءة الطالع أوالفالمقابل بضعآناتفي زمن ما قبل اعتماد الدينار.

كما يقال أن نظيرتهاجِدْلَهْهي نموذج أحدث ، عاشت في زمن ما بعد التثمين  ، تقوم بالنشاط ذاته ، تستخدم فطنتها لإسماع النساء مايصبون إليه ، فتخبر إحداهن بأنها ستتزوج ، وأخرى بأنها ستُرزق بالولد الذي طال انتظاره ، وثالثة ستحصل على مبلغ من المال.

إن استقراء مناورات السلطة في الكويت لا يتطلّب الاستعانة بـأُمّ فتيْخَهْولاجِدْلَهْغفر الله لهما ما كانتا تمارسانه من تجهيل ودجل.

يكفي الاعتماد على نظريةالوتيرة الواحدةواستعراض تحركات السلطة منذ إعلان الدستور إلى يومنا هذا ، لنحلل مآرب توجهاتهم ونلاحظبيسر تكرار نمط معين للمناورات.

استذكرت فقرة في روايةجزيرة المطففينللروائي اليمني حبيب عبدالرب سروري أثارت اهتمامي :

قاعدة أزلية في علوم فن السفالة: اجعل عدوك يخيف صاحب القرار الأكبر والأقوى والأقدر، ليحافظ هذا الأخير عليك، ويعدّك حليفاً له فيمناهضة عدوه

ولو تحفّظت على وصفسفالةلقسوته لأتجنب إثارة حفيظة القاريء وانتقلت إلى ما تلاه سيتجلى لنا المشهد المكرر بوضوح مع تبدلالأسماء فقط.

تتخذ فئة  أموقف ضد تصرف معين للسلطة ، فتتقرب الفئةبمن السلطة لتثبت لها أنها سندها في مواجهة الفئةأ” . ومع تبدلالأسماء تنقلب الأولى لتقوم بدور الثانية وتتحمس الجماهير مع هذا الطرف أو ذاك متناسية أن السلطة هي من أشعلت الخلاف فأمدّت تلكالفئة بالنفوذ ثم سحبته لتتبدل المواقع.

فتخرج السلطة بلا خسائر تذكر  وسط تصفيق جماهير أحد الفريقين.

مشهد يعاد مراراً حتى سأمناه .. عوّدتنا السلطة أن لا تتحمل وزر أخطائها ، وعوّدناها بإذعان أن نضمن لها فرقة تدعم تنصلها منمسؤوليتها.

إن فرحة انتصار الشعب في جلسة ١٨ أكتوبر ٢٠٢٢ هي فرحة بإعادة الزمن لأكثر من عشر سنوات إلى الوراء لعام ٢٠١٢ وأبعد.

تأثرت الجموع بدموع سمو ولي العهد حين ختم خطابه بالآية (٨) من سورة آل عمران:

رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ

اعتدنا في شرقنا الأوسطي أن نمنح قيمة أكبر لدموع صاحب السلطة مقارنة بدموع المظلومين والمقهورين ممن احترقوا بنيران بطش السلطةقبل الهداية .. ان قرأنا  بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَاعلى أنها إقرار من السلطة بضلال مورس قبلها.

أكثر من عشر سنوات من طوفان الظلم والطغيان والقهر .. من تدميرٍ لذمم بعض الساسة والقضاة والقياديين.

أكثر من عشر سنوات من سرقات تمت إحالة مرتكبيها للقضاء ثم تبرئتهم .

أكثر من عشر سنوات من إعطاب للمنظومة القيمية والأخلاقية للمجتمع .

أكثر من عشر سنوات من نهب وسرقات وشبهات غسيل أموال ضمن المدانين بها رئيس وزراء سابق والآخر وزير داخلية سابق ، بإخفاق تامللحكم في اختياراته تسبّب بفضائح دولية تتناقلها وسائل الإعلام الخارجية، ولها أضرارها المدمرة على سمعة البلاد وجهازها المصرفيتحديداً.

أكثر من عشر سنوات من ملاحقات للكلمة التي لا تروق لهم.

أكثر من عشر سنوات من الاغتيال المعنوي لمعارضي السلطة.

أكثر من عشر سنوات من تطبيق مقولة أحدهمبنلسّبهم بالقانونفي تحوير دميم للقانون من ميزان للعدل إلى أداة للجلد.

هل اعتذرت السلطة عن ذلك ؟ .. بطبيعة الحال سيستغرب القوم من فكرة طلب اعتذار السلطة .. فقد سلّموا بأن يقبلوا منها بفتات حقوقهم.

من يعوّض من سحبت جنسيته لأسباب سياسية!

من يعوّض من اضطر لترك بلاده حفظاً لكرامته وحريته!

من يعوّض من تم تدمير مساره الوظيفي كقيادي نزيه لأنهم ارتأوا اختيار من يطوّع لهم مقدرات البلد ليغرفوا منها كيفما شاؤوا.

من يعيد حقوق المغبونين الأدبية والمالية على حد سواء.

لسنا بحاجة لتنبؤاتأُمّ فتيْخَهْاوجِدْلَهْلنتوقع أن ما قامت به السلطة هو تصحيح جزئي بالحد الذي يوائم ضمان سير الأمور سياسياًباتجاه يرضيها.

أما الاصلاح الشامل والحقيقي .. وردّ المظالم بلا استثناء فهو صعب عليها ، لا لعدم قدرتها عليه بل لأنها ببساطة غير مضطرة إليه.

تكفي دمعة تأثر .. وقبلة على جبين الرئيس السعدون لينسى الناس كل الألم وتُشطب من ذاكرتهم مآسي أكثر من عقد من الزمان .. وتذوبوجوه المظلومين وتتماهى مظالمهم حتى لا يعود لها وجود او استحقاقية.

إنها حلقةٌ مفرغةٌ من العبث بمقدّراتنا ومكتسباتنا .

وبما أن سمو ولي العهد اختتم خطابه مُتأثراً بآية كريمة من سورة ال عمران فسأختم مقالي هذا بالآية الكريمة ٢٦ من ذات السورة:

  

قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْـزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

مقالات أخرى