أيّها المستجد
يقول الله عز وجل في محكم كتابه:
{وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ }*
*الآية (٢٥١) من سورة البقرة
إن وجود طرف معارض في أي وضع سياسي هو أمر ناجع ، ليضبط أوتار آلة السلطة ، ويطرح وجهة نظر مختلفة .. مما يترك للمواطن الرصين فرصة لاستعراض الآراء المتضادة وتكوين رأيه الخاص.
وإن تجاوزتُ قبول البعض بانتهاكات شنيعة ثم استهجانهم لأخرى أقل ضرراً أو تناسيت التناقضات السافرة في تحديد المواقف السياسية.. سأقدم نصائحي للمستجد السائر في درب المعارضة الوعر.
أيها المُستجد .. عليك ابتداءً أن تحدد هدفك السياسي بوضوح ، ولنفترض أن الهدف هو إزاحة أحمد النواف كرئيس وزراء لما تراه فيه من وجهة نظرك من قصور ومثالب وهذا حقك، ويبدو لي أن دوافعك أكبر لأنك ترى في وجوده خطر على كيان الدولة ، بينما كنا نرى فيمن سبقه خطر على المكتسبات الدستورية ومقدرات الدولة ، والفرق عظيم ، فالمكتسبات يمكن استردادها لكن كيان الدولة يجعل الموقف جلل فهو مسألة وجود بلد أو زواله.
ولكي تصل لهدفك محّص وتمعّن بتجارب من سبقك في تحقيق هدف مشابه.
ففي هذه الحالة لن تحتاج لإعادة اختراع العجلة ، بل الاستئناس بتجارب ليست بعيدة ، بدأت بالندوات السياسية لاقناع الرأي العام ، ثم تصاعد النشاط بتنظيم تجمّعات قادت إلى مسيرات شعبية ثم انتهت بإزاحة رئيس الوزراء آنذاك ناصر المحمد وتحقيق الهدف.
نشاط فيه قدر لا يستهان به من التخطيط والالتزام والجسارة.
أما في حالة إزاحة رئيس الوزراء السابق صباح الخالد ، فقد اعتُمِدت الندوات أولاً مع بعض التجمعات بأعداد متواضعة لم تتطور لمسيرات شعبية، بل نفّذ النواب فكرة مبتكرة تمثلت في الاعتصام في مبني مجلس الأمة ، وهي فكرة كان نجاحها مرهوناً بإذعان السلطة التي استجابت مرغمة .. وكانت تخوفاتي الخاصة في حينها من فرضية عدم استجابة السلطة ، وشكوكي حول جاهزية المعتصمين للخطوة التصعيدية التالية.
هذا ولا يفوتني التذكير هنا بأن من تصدّر حينها من ناشطين وسياسيين حراك إزاحة ناصر المحمد ، قد دفع ثمن ذلك التحرك بدرجات متفاوتة، من سحب للجناسي إلى أحكام سجن قاسية ، بل إن أحد المشاركين تم سحب جنسيته ونفيه قسرياً على يد جهاز الأمن عند حدود دولة مجاورة بجور وفظاظة وغلظة لا مثيل لها ، ناهيك عن القيود الأمنية والتضييق في أماكن العمل للعشرات من الناشطين.
فهل لديك الاستعداد النفسي والذهني أيها المستجد لدفع الثمن؟ فيما لو طبقت السلطة شطر بيت الشاعر جرير :
فسقيت آخرهم ..
بكأس الأولِ ..
وأجدني أُخالف جُزءاً من بيت “ناصر الفراعنة” وأتفق مع الشطر الأخير منه حيث يقول:
يا مدور عن عيوبي ..
ما أنت لاقي بي عيوبِ
غير وقفة ما توقفها ..
أنت واللي خلّفوك.
نعم .. كان للحراك عيوباً متوقعة كشأن كل تحرك سياسي واسع النطاق وكبير العدد، لكني أحتفظ لنفسي ولمن حولي باستحقاق الشطر الثاني من البيت ..
فالوقفة تلك .. لن يقفها أغلبُ مُتبرّمِي اليوم .. لا هم ولا اللي خلفوهم.
لذا أيها المستجد .. انتبه .. إنها ليست نُزهة ، وتيقظ .. لأنك شخص ناضج ولست طفلاً يعبر عن غضبه بنوبة يطلق عليها مصطلح“Toddler Tantrum” ..”نوبة غضب الأطفال” حيث يستلقي الطفل على الأرض ويبكي بصوتٍ عالٍ محركاً أطرافه في كل الاتجاهات.
ضع هدفك ، وحدد خطوات تحقيق الهدف، وكن مستعداً لتسديد الحساب.
وقبل ذلك اشكر من مهّد لك الطريق وسبقك في مناهضة من لم يره كفؤا لتولى أعلى منصب犀利士
> تنفيذي ، ولا تنسَ أن تؤنّبَ نفسك على معاداتك مبدئياً لمن عبروا عن معارضتهم في الماضي، فأنت اليوم تقف بذات المكان الذي كانوا فيه.
واعترف أيها المستجد بأن الصواب قد جانبك حين استنكرت على من سبقك السعي لازاحة رئيس وزراء فهو تعبير عن رأي تمارسه أنت اليوم، واستغفر لذنبك حين ساهمت بظلمهم فقد مهدوا الطريق لك اليوم ..
فافعل فعلهم…إن وجدت في نفسك الشكيمة والحماس ورباطة الجأش .. وكن ممتناً لهم.
ختامها شعر:
يا بو طُواري* ..
يوم دورك صبرنا
وش مزعلك من دورنا ..
يوم جانا
ابن رشيد
*غالب السرّاح